أمين اليافعي (@elyafaee) header
أمين اليافعي (@elyafaee) profile picture

"غيبُ هذا الحديث ِ خافٍ والرّمزُ فيه مُتجافٍ وإنما نُدندِن حول هذه المعاني" التوحيدي

Berlin
Joined June 2021
Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)
أمين اليافعي retweeted
Replying to @alkawis2018
احترمك كثيراً على المستوى الشخصي أستاذ أنور التميمي @anwaraltamimi71، وأنت إنسان عاقل ومتزن، لكن الظهور على منصات "معارضة" تحتاج إلى تحضيرات جيدة وطرح أعمق بكثير من هذه المقولات البسيطة التي نُرددها بيننا كجنوبيين دون أن تمر بدورات تفكريّة كافية، وكنتُ أتمنى أن تستفيد من تجربة الظهور مع نايف الأحمري قبل عام تقريبا لتستعد لهذا الحوار بشكل أفضل. بغض النظر أنك تُمثِّل حالياً الانتقالي، لكن في نهاية المطاف أنت تمثِّل تيار مشروع استعادة الدولة، وأي طرح قوي على منصات واسعة الانتشار يُفيد في المحصلة النهائية مساع الجنوبيين نحو استعادة دولتهم، وأنت تعلم أن الجنوب مرّ بمراحل نضال تراكمية منذ ١٩٩٤، وما زال. الحضور على المنصات الإعلامية التي تتبنى توجهات معارضة يكون نعمة في حال كان الطرح قوياً ورصينا، فأنت تلعب في ملعب الخصم وبين جمهوره، ونقمة لأنها فرصة لكي ينهش الجميع طرحك. للأمانة الحاجتين التي تبقت من مشاركتك هو ردك على المذيع عندما قال "لا أرى اختلافاً بينكما"، وهو رد مشاغب على طريقة المناوشات في مساحات إكس، والثانية لما قلت مسألة استعادة الدولة "حياة أو موت" بالنسبة للجنوبيين. وبغض النظر عن أي تفاصيل أخرى حول هذه المقولة، يعني ملاحظات لغوية قد تبدو شكليّة، فالاكتفاء بالقول "مسألة حياة" أشيك وأفضل وذات معنى عميق جداً، وتؤدي نفس الغرض تماماً، ولو أردتَ تختبر المعنى افصلهما، فـ"مسألة حياة" نَظِرة وحاسمة في نفس الوقت، بينما "مسألة موت" تعبير غبي وبدون معنى حقيقي باستثناء الرنين الصوتي. على العموم، دعنا من الملاحظات اللغوية، ولندخل في عمق المعنى السياسي والعملي. المذيع سألك كتفاعل مع كلامك بأنه والله إذا كنتم ترون مشروع استعادة الدولة الجنوبية مسألة حياة أو موت، وقررت الشرعية فرض سيطرتها على الجنوب بقوة السلاح، وهو يُشير ضمناً إلى حالة شبيهة بـ ١٩٩٤، كان ردك بأنها لن تُصبِح حكومة شرعية. ولا أدري من متى تهتم القوى في الشمال بالشرعية الحقيقية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة: هل أنت مستعد على المستوى الشخصي للتضحية في سبيل أن يستعيد الجنوبيون دولتهم؟ وما أعنيه هنا تحديداً، وسأكون معك صريحاً وواضحاً، أن الجنوبيين ضحوّا كثيراً، عشرات آلاف الشهداء، وبعد مشوار طويل وعسير من النضال والتضحيات رحتوا سلمتوا جزء منها للعليمي والجزء الآخر لطارق عفاش، والآن كل ما تقولونه وتفعلونه كقيادات مجرد ترديد شعارات وشخيط ونخيط ليل نهار في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تبدو هناك خططاً أو رؤية أو فكراً أو عملاً إدارياً أو نضالياً يتطور أو يتقدم ولو خطوة واحدة... والسؤال هو، ولطالما ترون أن استعادة الدولة باتت مسألة "حياة أو موت"، حسب تعبيرك، فهل أنتم مستعدون على المستوى الشخصي لتقدّم الصفوف ودفع الثمن، أم ستتركون آخرون يدفعونه، بينما سكتفون أنتم بالمراقبة من مواقعكم القيادية والتي يبدو أنها أكثر ما يُحفِّز نضالكم؟ سؤال بالطبع ليس بغرض الإحراج أو المطالبة بما يفوق قدرات الأشخاص، ولكن قصدي هل نعي ما نقوله، هل نُفكِّر فيه جيداً، ونستوعب نتائجه الآن ومستقبلاً؟ مع التحية والاعتذار لشخصك الكريم
1
1
3
262
أمين اليافعي retweeted
Replying to @hanisaadi2011
أسمع مني رأي مختلف يا شيخ راجح @RagehBakrait رأي ستستفيد منه مستقبلاً. تعرف أيش الكارثة الي عملتها، إنه أول ما وصلتم الرياض كنت أكثر واحد تجرأ في تصريحاته ضد رئيس المجلس الانتقالي واتهمته بالكذب وتخليه عن فريقه والهروب... واليوم تخرج تقول إن ما تم كان تحت ضغوط وإكراه وضد رغبة "الوفد الجنوبي". تعرف ما الذي يعنيه ذلك؟ لم يُصرِح أحدٌ من الوفد بهذه التصريحات القوية ضد رئيس المجلس الانتقالي، مع إنكم تعرضتم لنفس الضغوط والإكراه، وكما تعترف الآن، حتى أولئك الذين صرّحوا، لم يصلوا إلى جرأتك، بمعنى أنك تقول بإن جميع من في الوفد الي صرحوا والي سكتوا كانوا أشجع منك وأكثر قدرة على التحمّل، بينما تُظهِر نفسك بموضع الضعف والهوان وإنك لا تستطيع حتى تحمّل ضغوط، بينما نحن في مشروع نضال طويل عريض وعشرات آلاف من شهدائنا ضحّوا بأرواحهم الطاهرة فداء لوطنهم، والآن تخرج قيادات لتعترف بأنها لا تستطيع تحمّل "الضغوط". فطالما معك رأي، يجب أن تدافع عنه في كل مكان، ولو دفعت حياتك ثمناً له، هكذا تعلمنا من مدرسة النضال الجنوبي. وطبعا حالة الضعف هذه، مع حالة التقلبات في التصريحات سيضع مليون علامة استفهام على القدرة في قيادة مشروع ما زال يحتاج إلى تضحيات كبيرة وجسيمة واعذرني على صراحتي، فالمرحلة حساسة ودقيقة. مع تحياتي لشخصك الكريم
2
1
5
879
أمين اليافعي retweeted
تعز ليست الجغرافيا بريئةً أو عنصراً محايداً، وأفضيتها تتحول إلى أماكن عندما تكون مُثخنةً بالزمن، وكما ذهب مايكل كرانغ في "الجغرافيا الثقافية"، وبهذا المعنى فالأماكن ليست مجرد مجموعة من المعطيات الجغرافية المتراصة أو المتراكمة، بل تتضمن مقاصد بشريّة غزيرة. وحين نقول «المدينة» يذهب الذهن، في الأغلب، إلى شيءٍ واحد: بقعةٌ محدودةٌ بحدود، لها مساحةٌ وعددُ سكانٍ وأحياء وإحداثيّات؛ تصورٌ يبدو كحقيقةٍ بدهيّةٍ. وهو التصوّر الذي يجعل المدينةَ قابلةً للحصار بالمعنى الأنطولوجي، لا العسكري فحسب. فإذا كانت المدينةُ حدوداً، فحاصِرْ حدودَها كي تُمسِك بها، وتُسيطر عليها، وتُحكِم اللجام حول عنقها، وكما يفكِّر الغزاة ببساطة وأريحية. لكن هل «المدينة» هي ما يُحاصَر، أم أنّ ما يُحاصَر هو شيءٌ آخر نُسمّيه بالاسم نفسه ونظنّ أنه هو؟ هناك مدنٌ كلّما ضاق مكانُها، اتّسع معناها. فالحصارُ قد يُقلِّص الجغرافيا، لكنه يُوسّع الدعوى والأمل والحرية. ومن هنا لا يكون الصمودُ تعريفًا جديدًا للمدينة، بل إعادةَ صياغةٍ لدعواها. أن تُثبت أنّ ما يُحاصَر هو الأرض، وأنّ ما لا يُحاصَر هو الشرطُ الذي جعلها مدينة. والمدينةَ تُقاوم بالطريقة التي يُقاوم بها السؤال؛ قد يُوصَد في وجهه بابٌ، فيدخل من كلّ الأبواب، لا لأنه قويٌّ بما فيه الكفاية، بل لأنه لا يمكن إغلاقه. وتعز المدينة المُعلّقة عند سفح صبر، حيث ينتصب الجبل في قلبها فيُحدّد ما تراه، وتمرّ بها الطرقات، تلتقي وتفترق، فتُحدّد من تسمع من العابرين، تحوّلت أسئلتها إلى مصدّاتٍ من الإصرار المكين؛ إصرار المدينة على أن تكون معنى، تكون في قلب المعنى والأمل.
1
289
أمين اليافعي retweeted
ليس باب المندب مُجرد صَدَعاً أو أخدوداً أزرقاً في جسد الأرض يَفْصِل بين قارتين، كما أنه ليس اسماً عابراً في نشرة الأخبار، وثيمة مُحببة تلوكها بدلالٍ وتفنن أفواه المحللين والمحللات. إنه عتبةٌ يَطِلّ منها العالم على نفسه؛ تمرّ في مياهه أقوات المُدن، وقلق الموانئ وانتظاراتها، وحركة السفن بين قارات لا يجمعها سوى الرغبة في مرورٍ آمن من خلال المضيق، وتتصارع وتتدافع عليه وحوله دول العالم ومصالحها. وحين يضيق البحر عند الباب، لا تضيق الجغرافيا وحدها، بل ينحني جسد العالم كله فوق ذلك المَعْبَر. تقول الرواية التي كُتِبت على عجلٍ لأن الزمن باغتها بما لا تستطيع احتماله بأن أربع ساعاتٍ كانت كافيةً لكي يتبدّل وجه الساحل كلياً. أربع ساعات ما أقصرها وأسرعها وفق عقارب ساعات الحروب، وما أمتنها وأدقّها في ذاكرة الجندي، وما أبعد صداها في تاريخ الملاحم حين ظنّ كثيرون بأن الصفحة قد اُغلقت، والحكاية قد انتهت. زمنٌ خاطفٌ لم يمنح العدو مساماً يتنفس منه قبل حتى أن يتناول وجبته الأخيرة، كأنه يُذكرنا بالمزحة التي أطلقها أحد رفاق الساحر يامين يامال طالباً منه إمهلاهم وقتاً للمس الكرة قبل الذهاب ا إلى الاحتفال معه عند تسجيل أهدافه المبكرة جداً! يا له من سِحرٍ... يا له من واقعٍ يتعدى حدود الخيال! قبل أسبوعين خرج المحللون من كل حدبٍ وصوبٍ، وتزاحمت الروايات لتبرير الانهيار الكبير والصادم: الكثافة النارية، والحشود، واختراق الاتصالات ووو... رُتِّبت الكلمات حول الوقائع بعناية فائقة، وصُفِّت ما لذ وطاب من الأعذار كمحاولة مستمية لبناء سورٍ عظيمٍ يحجب هول الهزيمة عن العيون الساهرة والحاسرة. في أربع ساعات فقط وَلَجَ عمالقة وعماليق الجنوب التاريخ من أوسع أبوابه، باب المندب، وعبروا اختبار خطوط النار إلى صفحة الملاحم الزاهية وكأنهم في نزهة يسيرة، لم ينسوا في ختامها من تأدية رقصة الفرح على طريقتهم الخاصة. ما أقصر الزمن، وما أوسع أفق الأبطال، وجموح همتهم، وشطحات خيالاتهم.
1
2
439
أمين اليافعي retweeted
Replying to @Tahleelat
كل واحد يرى بعين طبعه، وربما أفهم من كلامك هنا ان الإشادة بما حققوه الأبطال الجنوبيين، وتحويله إلى نموذج يُحتذى لتحريك الجبهات النائمة، بات يُمثّل لك مشكلة كبيرة، وفتنة عظيمة، ومؤامرة لإبقاء الحوثي. فيبدو أن الوضع الطبيعي الذي تراه أو تتمناه هو أن تبقى الجبهات نائمة!
1
1
243
أمين اليافعي retweeted
عزان وناقدوه: الزيدية والجارودية في 27 سبتمبر/أيلول 2026، بثّت قناة روتانا خليجية حلقة من برنامج "في الصورة" الذي يقدمه الأستاذ عبد الله المديفر مع الباحث في الفكر الإسلامي والتراث الزيدي محمد عزان تحت العنوان الاستفهامي «هل كل زيدي حوثي؟»، مع وسم «#الزيديّة_في_الصورة». استمرت الحلقة قرابة الساعتين، وتجاوزت خلال أيام قليلة أكثر مائتين وعشرين ألف مشاهدة، وقد اشعلت جدالات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. وأولى الملاحظات المركزية على المقابلة والنقاشات التي أعقبتها حول "الزيدية" هو أن الجدل لم يتركز على تعريفات يمكن اختبارها أو أطروحات تقوم على تفسير نسقي، بل كانت أقرب إلى محاولات متنافرة لتثبيت ملكية المذهب، فمن يَملِكه، ومن يقبع في عمقه، وما هو الطارئ من الأصيل والجوهري؟ ومن الطبيعي في نقاشات كهذه، وفي أجواء شديدة التوتر والتكالب، أن تتصارع الثنائيات الحادة التي يقف كل منهما على طرفيّ نقيض: ثنائية الفصل التام التي يُمثِّلها عزان، ويحاول أن يستنطق الأدبيات الزيدية، وبذاكرة مدهشة ومعرفة واسعة بالتيارات والفرق الإسلامية، لاستخراج بعض الاقوال والاقتباسات وتقديمها كـ"بوكيهات ورد" لإظهار القطيعة التامة مع النسخة "الجارودية" المتطرفة. وإذ يُطالب بإعادة قراءة نسقية للتاريخ (الواقعي) الكالح والممتد لأكثر من ألف عام والذي يَعِزُ عليه تقديم أي نوع من أنواع الورود، وقد نوافقه في مثل هذه المبادرة، لكن كان لا بد من قراءة نسقية أيضاً للإرث المذهبي، والسياسي منه على وجه التحديد، فالخطاب السياسي المراوغ قد لا يبخل بتقديم الكثير من بوكيهات وبساتين الورود في لحظات الحاجة، كما قد يستعين بالخطاب المراوغ لتحقيق غايات "غير وردية"، وكما فعلت الحركة الحوثية في بدايتها إلى ٢٠١٤ عن طريقة تصدير خطاب (شديد الوردية) كان على رأسه المُلحد علي البخيتي! تقوم أطروحة المعسكر المناوئ، ومعظم أصحابها من الاتجاهات السلفية، على المطابقة التامة بين الزيدية والجارودية، فالزيدية – عندهم – ما هي إلا المشروع السلالي ذاته، والحركة الحوثية عبارة عن استيقاظ الوعي السلالي في سبيل استكمال المهمة التاريخية والأبدية. تقوم هذه الأطروحة على عزل التاريخ الاجتماعي والثقافي واليومي الذي تشكّل ويتشكل داخل الحواضن الزيدية أو على هوامشها على مدى عشرة قرون، واتخذ أشكالاً مختلفة، وترى فيه تاريخياً خارج التاريخ، تاريخ من القهر والهيمنة والاقصاء الكلي دون أن يكون هناك أدنى مستويات التفاعل والتمايز. ومثل هذه الثنائيات تحاول أن تُعطِل إحداهما الأخرى، وكلاهما يتعامل مع "الزيدية" بوصفها كائناً مكتملاً متجانساً بالإمكان تنقيته من الشوائب بسهولةٍ، أو تقطيعه وإقصاؤه بسهولةٍ أيضاً، وبوصفه كلاً. حاول عزان في المقابلة أن يبلور تمييزاً فاصلاً بين المذهب والحركة الحوثية، بين الجينية السياسية للعقيدة (حصر الإمامة في البطنين) ونموذج "صمام الأمان" المُبرر لتكرار الجارودية. غير إن الإنجاز على أهميته النظرية، ومشروعيته الأخلاقية، سيظل إنجازاً خطابياً لا عملياً، لأن الجارودية ليست طوراً من أطوار حياة الزيدية، بل قد تبدو منطقها السياسي الأمتن. وليس عزان هو أول من حاول التمييز بين المذهب والحركة، فهناك عدد من الدراسات التي رأت بأن "معتقدات الحوثيين تمثّل قطيعة راديكالية مع التقليد الزيدي"، وبأن الملازم تجاوزت "الكتب الكلاسيكية الزيدية في السلطة السياسية والدينية"، وحاولت الحركة – بحسب هذه الدراسات التي تأثرت بأطروحة اوليفيه روا - أن تبتكر مساراً يقترب من الحركات الجهادية والثورية الإسلامية المعاصرة، فلذا فهي حركة مُعاصرة بامتياز. وإذا كان لمثل هذا الرأي بعض الوجاهة، لكنه قد لا يكون دقيقاً بما فيه الكفاية فيما يتعلق ببعض الحركات كالحركة الحوثية؛ فالراديكالية سمة تاريخية لا تنفصل، بل هي إحدى شروط الإمامة (مبدأ الخروج)، كما إن الاسم (الهاشمي) يعمل قبل كل شيء كـ"حقل سلطة" أكثر مما يكون "حقل إيمان"، والجينية السياسية هي ميثاقٌ حكم نخبة حاكمة سبق الحركة الحوثية بكثير. وبلغة أوضح، بات الاسم أداة لإعادة تموضع سياسي؛ نخبة تستحوذ على الاسم ثم تستثمره مع جغرافيات متعددة، من تمرّد صعدة إلى اختراق الدولة (الرواية الخطيرة التي ذكرها الدكتور عبد الغني الإرياني بأن الرئيس علي عبد الله صالح اجتمع في العام ٢٠١٢ بأعيان الزيدية وأشار عليهم الالتحاق بعبد الملك الحوثي باعتباره – صالح – أخر رئيس زيدي). على العموم، بعد ثورة ١٩٦٢، وإسقاط حكم الأئمة، لم تسقط النخبة، بقيت عائلات تتوارث الاسم وتوزعه على أتباعها، وأعلن أئمةٌ جدد في الستينات والسبعينات والثمانينات أنفسهم امتداداً للسلالة، بمعنى أن الاسم الذي نجا من سقوط الدولة ظل يُشرعِن للنخبة باستمرار. قرر عزان أيضاً – استناداً إلى قرون من الرصد – أن خطاب الآخرين هو الذي يولِّد النسخة الجارودية الأكثر تطرفاً دون أن يتعني بإجهاد تأملاته في النسق الإمامي الكلي؛ فهي وفق وجه نظره تظهر فقط "عند الخصومة وتضمحّل عند الاستقرار"، وإن معادلة "كل زيدي حوثي" جعلت "صوت الجارودية هو الأعلى". وطبعاً هذه الأطروحة ليست بعيدة من حيث فكرتها العامة عن الصواب، بل هي أحد الثيمات الرئيسية التي اشتغلت عليها النظريات الاجتماعية والثقافية والسياسية في النصف قرن الأخيرة (من سارتر "الآخرون هم الجحيم"، وليس انتهاءً بأمين معلوف: " نميل في أغلب الأحيان لأن نتعرف على أنفسنا في انتماءاتنا الأكثر عرضة للخطر"). لكن الاستعانة بهذه الأطروحات الحداثية قد يكون في غاية الأهمية في سبيل كبح فواعل ومسببات الصراعات الهوياتية الضارية، إلا أنها تحتاج إلى تدقيق أكبر حول طبيعة السياق وتاريخه، وهل اشتغلت الخصومة في هذه الحالة كـ"عامل مولِّد" أم كـ"عامل مُسرِّع"؟ لقد تكررت النسخة الجارودية عبر قرون، وفي فتراتٍ لم يَعرِف "خطاب الآخر" وجوداً؛ العصر القاسمي (عصر الدولة لا عصر المقاومة) والدولة الهادوية (الجارودية كنظام حكم لا كتفاعل مع خصمٍ)، والدولة المتوكلية (بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية). وقد مثّلت مأساة المطرفية على يد الإمام عبد الله بن حمزة باعتبارها خصومة زيدية داخلية ودفاعاً عن "أهل البيت" ضد من خالفوه، وليست بوصفها نتاجاً لخطاب خصومة. وعزان نفسه، وبدون أن يشعر، يُسلِّم بالمنطق العميق للتكرار، فقد وصف الجارودية بكونها "صمام أمان" الخصومة، وصمام الأمان لا يعمل إلا داخل بُنيةٍ مُعدّةٍ. وما يوفره خطاب الآخرين هو الجمهور (التمترس) لا المتون التي اُعِدت عبر قرون من نخبة تحكم حصريا بالاسم، وبحيث تتحول كل أزمة (طرد العثمانيين، سقوط الإمامة، الحروب، التحوّل بعد ٢٠١١) فرصة لهذه النخبة لإعادة شحن الاسم لانتزاع موقعها المُستحق بالحق الإلهي. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحة أوليفييه روا ذائعة الصيت، التي ترى أن جميع الحركات الإسلامية الحديثة هي ظاهرة حداثية بامتياز، تبدو الحركة الحوثية، بوصفها جزءاً من سلسلة التمردات المتكررة في مرتفعات اليمن الأعلى، ظاهرةً بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتعمق؛ فكل نسخة جديدة (الدولة القاسمية، الدولة الهادوية، الدولة المتوكلية، الحركة الحوثية اليوم) لها بالتأكيد شروطها وحيثياتها الزمنية المرافقة، لكن هذا التكرار الدؤوب هل يمكن تفسيره في كل مرة بأنه عبارة عن "ردّة فعل" أم هو "آلية تتجدد"؛ وهل نعتبر كل نسخة منها "جارودية جديدة" أم أن الجارودية تحاول أن تتكيف لتُعيد إنتاج نفسها بثوب عصرها؟ فالنخبة الحاكمة، لا الأقلية التي تنتظر ساعتها، هي مفتاح لغز هذا التكرار المستدام، بمعنى أن الجارودية هي النخبة التي تمتلك زمام اللحظة، ولهذا لا تضمحل ما دام الاسم (الماركة) أداة حكم. والمفهوم الذي يُفسِّر هذه الملكية هو مفهوم الزمن؛ ففي العقيدة الزيدية الإمام هو من "يظهر في الزمن المناسب" – اللحظة التي يجعل فيها ظهوره "حُكماً". لهذا تُصبح الخصومة، وفق هذا المنطق، ليست سبباً أو مبرراً للجارودية، بل مجرد مادة خام لها، النخبة لا تنتظر الخصومة، بل تصنع "اللحظة المنشودة" منها. في المقابل، يأتي خطاب المعسكر المناوئ الذي يرى بأن الزيدية (المعروفة) في اليمن ليست كما تدّعي، وهي قائمة فعلاً على النسخة الجارودية وبدونها لن يكون لها معنى، وهي نفسها النسخة التي تقوم عليه الحركة الحوثية، وتستمد منها شرعيتها التاريخية وجذورها السياسية والفكرية، مضافاً إليه الارتباطات ومصادر التأثير المعاصرة، لدرجة يرى بعضهم بإن العلاقة مع إيران كانت أحد الممكنات لإعادة إحياء نموذج الإمامة التاريخي. وبالتالي فهذا التيار – كما عند الباحث زايد جابر وآخرون - يرى بأن الزيدية مشروع سلالي، ويستشهد بكلام للإمام عبد الله بن حمزة يقول فيه: "ليس في الأئمة بعد زيد بن علي إلا جارودي"، والحوثية أداة "عسكرته"، وينسب إلى هذا الموروث كل العنف والتعصب منذ إطلاق أول رصاصة في جبال صعدة. قد يكون هذا الخطاب أولى كل تركزه على تاريخ النسخة الحاكمة، وأخذها مأخذ الجد، الجاردوية كنظام حكم، ووثيقة الحق الإلهي، أو كما يُشار إليها باللغة الشعبية الساخرة "حق جدّي"، ميثاقاً مُقدّساً أقدم من الحركة الحوثية. وإن حاول هذا الخطاب أن يَكسِر الرواية المريحة السائدة عن "الزيدية" بتسليط الضوء على المصلحة الحاكمة والكامنة خلف الاسم (الماركة)، إلا أنه يقع في فخٍ هوياتي خطير بإدانة الكل بالمطابقة، ويرى فيهم نسخة وحيدة متطرفة، وهذا الجمع يحجب التعدد الداخلي الذي ظهر على مدار التاريخ، فالمطرفية وبغض النظر عن مصيرها المأساوي كانت تطوراً داخلياً، بشكلٍ أو آخرٍ، فضلا عن تيارات أحدثت قطيعة واسعة مع الإرث الزيدي نفسه (ابن الوزير، الشوكاني، المقبلي). وبالعودة إلى ملف المطرفية باعتباره قضية جدلية كبيرة، لا يعني أن التنازع قام على أساس "سلالي"، ولو كانت الزيدية "مشروعاً سلالياً" بهذا الاكتمال والحدّة، لاحتاجت الإبادة التي قامت بها "يدٌ زيدية" إلى تفسير تعجز هذه الأطروحة عن تقديمه، فالمطرفية لم تكن منافساً سلالياً بل طائفة في فضاء الزيدية، ولا بد من التمييز بين الصراع على السلطة ومآلاته وبين فعل الإبادة، وهو فعلٌ نادرٌ ما يحدث داخل السلالات ذاتها، وباسم السلالة. ربما قد يُنظر له هنا بطريقةٍ مختلفةٍ، ففعل العنف ذاته – إبادة المخالف العقدي باسم أهل البيت – يؤشر على أن الاسم ذاته تحوّل إلى عقيدة احتكار (احتكار المُعتقد) لا مشروع سلطة فحسب. والطريق إلى الحل بطبيعة الحال لن يكون لاهوتياً (بين التكفير والتبرئة)، ولا سياسياً بالمعنى البسيط (الإزالة أو التقبّل باسم التعايش)، بل ينبغي أن يكون عن طريق نضال قوي وجريءومتواصل ضد "ملكية الاسم" وتجريده من وظيفة الاستخلاص والاحتكار، ومن داخل المراكز الزيدية ذاتها. ضرورة فصل "النسب المُقدّس"؛ بما هو تراث مشترك لهوية تجعل من كل "زيدي" يملكه وبطريقةٍ تلقائيةٍ ولو دون حُكم، عن الحق الطبيعي في الحكم الذي يحدده العقد السياسي القائم على الرضا والكفاءة والمحاسبة. هناك من يرى بأن جوانب من هذا الفصل الذي ينبغي الاشتغال عليه قابعٌ بين دفات الأدبيات الزيدية ذاتها، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعي نحو سحب بساط الشرعية الدينية من تحت أقدام عبد الملك الحوثي لكونه لا يُحقق "شروط الإمام" وفق المذهب، لكن الخوف أن مثل هذه المساع قد تجعل مشروعية الإمامة مفتوحة مصراعيها على الزمن، وتنتظر فارسها القادم في كل عصر. إذا تأملنا عميقاً في طبيعة التمردات التي حدثت على طول التاريخ، سنجد أن المراكز الزيدية كان لها دوراً كبيراً في عملية إنتاج وبروز آئمةٍ جددٍ في كل عصر، ولا أدري هل لو تم مأسسة المرجعيات الدينية كإنشاء مجلس زيدي عام فاعل، وتتحقق فيه شروط المرجعية الدينية، ويتبنى خطاباً معتدلاً وتنويراً ينتصر لفكرة المواطنة، يمكن أن يعمل أو يساعد على تجفيف البؤر التي تعمل كبنية تحتية في جسد الزيدية لإنتاج التمردات الدائمة، مع الإقرار بالصعوبة البالغة في تأطير مذهب كالمذهب الزيدي. المصادر في التعليقات
3
1
8
2,668
أمين اليافعي retweeted
الجزء الرابع: فخ الاستعداد الناقص ما قيل رسمياً في الأشهر التي سبقت سقوط الساحل الغربي تستحق قراءة مستقلة، لا لأن مثل هذه الخطابات تصنع الحروب بحد ذاتها، ولكن لأن الخطاب الرسمي أغلى ما تملكه هذه الحكومة، وهو المُعبِّر الأكثر دقة عن حالها. وبين يناير وسبتمبر ٢٠٢٦، صدر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي سلسلة تصريحات تصاعدية، تضخمت فيها اللهجة الهجومية، وسنحاول هنا تتبع المنحى التصاعدي لهذه الخطابات التي كان كل خطاب لاحق يُضيف وعداً أكبر، ولهجة أعنف، مقارنة مع ما قبله. يناير – توحيد الجهود منذ يناير ٢٠٢٦ اعلنت "الحكومة الشرعية" عن دخول مرحلة إعادة تسليح وتنسيق أو توحيد عمل التشكيلات العسكرية، في مسعى لبناء قوة جماعية قادرة على الهجوم مستقبلاً. وفي الحادي عشر من الشهر نفسه أعلن رئيس مجلس الرئاسة عن تشكيل "اللجنة العسكرية العليا"، وأسند إليها مهمات واضحة: «إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية، ودعمها للاستعداد للمرحلة القادمة في حال رفضت المليشيات للحلول السلمية» (المصدر: arabic.cnn.com/middle-east/a…). ١٠ أغسطس – إعلان النهج السياسي الجديد بعد يوم واحد من استهداف ميناء المخا بالصواريخ والمسيّرات من قِبل مليشيات الحوثي، تحدث العليمي أمام سفراء الدول الراعية عن «انتهاء مرحلة الاعتداء بلا كلفة» (المصدر: yemen-window.com/news/223796)، وإن الدولة لن تسمح بأن يتحول التزامها بالسلام إلى شيك مفتوح للحوثيين يختارون فيه زمان الهجوم ومكانه ثم يُطالب الجميع بضبط النفس عند الرد، وإن القوات المسلحة «باتت أكثر جاهزية». وتعهّد بأنه «لن يتم السماح للميليشيا الحوثية باحتكار قرار بدء المواجهة وتوقيتها ومكانها وحجمها، وقرار اللحظة التي ينبغي أن تتوقف المواجهات فيها» (المصدر: presidentalalimi.net/news251…). ثم تحدث عن طلبه من الأصدقاء: «طوال السنوات الماضية كان للسلام فرصة، وفعلنا ذلك بكل مسؤولية… واليوم نطلب من أصدقائنا أن يعطوا الدولة فرصة أيضًا» (المصدر: yemen-window.com/news/223796). وتكررت الثنائية في الخطاب نفسه، وبشكلٍ صريح بين عرضٍ مفتوحٍ للحوثيين بأن يضعوا السلاح ويدخلوا الحياة السياسية، في مقابل تحذير من أن أي عمل لن يمر بلا رد أو ردع شامل. ١٢ أغسطس – إعلان حالة غير قائمة بعد يومين، أمام قيادات المؤسسات الإعلامية، قال: «أصبح لدينا قوات مسلحة تخضع لغرفة عمليات واحدة»، وتحدث عن استراتيجية الدولة الهادفة إلى استعادة مؤسساتها وإنهاء «الانقلاب»، موضحاً بأن توقيت وخطوات تحقيق هذا الهدف يظل من اختصاص القيادة، كما تحدث عن «وحدة داخلية وتماسك سياسى وعسكرى، إلى جانب تنامى الالتفاف الشعبى، وتغير الموقفين الإقليمى والدولى تجاه طبيعة التهديد الذى تمثله جماعة الحوثي»، مؤكداً على أنه «بعد اليوم أي عمل تقوم به جماعة أنصار الله لن يمر دون رد أو ردع متكامل» (المصدر: almasryalyoum.com/news/detai…). لا يمكن فهم هذا التصريح، وفي هذا السياق، كمجرد مبالغة بلاغية عابرة لن يكون لها أي أثر، بل إعلان حالة مكتملة. ٤ سبتمبر: الوعد الذي سبق السقوط بخمسة أيام في الخامس من أيلول/سبتمبر، وبعد احتدام المواجهات في غرب تعز ونزوح نحو 1500 أسرة، قال العليمي أثناء اجتماعاته واتصالاته مع القيادات العسكرية والميدانية للاطلاع على سير العمليات ومستوى الجاهزية القتالية والاحتياجات العملياتية واللوجستية للقوات المسلحة والتشكيلات العسكرية المشاركة في المعارك، وكما أوردت وكالة سبأ الحكومية، بان «الدولة وقواتها المسلحة لن تسمح بتحقيق هدف النظام الإيراني في السيطرة على مضيق باب المندب تحت أي ظرف كان»، وإن «أي مغامرة باتجاه هذه المناطق ستتحول إلى استنزاف قاسٍ للحوثيين» (المصدر: almasdaronline.com/articles/…). والجملتان تستحقان التوقف؛ فقد صدرتا قبل خمسة أيام فقط من الانهيار الكبير، لكنهما أصبحتا معياراً أو دليلاً عملياً دامغاً يُقاس عليه ما جرى، ويؤرخان لما جرى. والاستنزاف يفترض هنا شرطاً لا يمكن توفره بالكلام، وهو القدرة على الإطالة. ومن خلاله المسافة المقاسة بين تاريخ الإعلان القصير والنتائج العكسية تماماً تُقاس أمور كثيرة على حال شخص يُفترض أن يكون الأهم والأول في البلد. عند قراءة المحطات الأربع من محطات خطابات رئيس المجلس الرئاسي معاً يظهر خطٌ واحدٌ ناظمٌ: الخطاب تقدّم بأسرع من الفعل على الأرض الذي يُفترض أن يسنده، ويُقدِّم له. أُعلنت وحدة لم تكتمل، وسياسة ردع خطابية، وغرفة عمليات مشتركة بلا تشارك، ولم تتحرك كل الجبهات بنسق واحد لتخفيف الضغط على جبهة الساحل، وكما كان مُتفقاً أو مفهوما من التصريحات. حاول البعض الدفاع عن رئيس مجلس الرئاسة بطريقة تبريرية على اعتبار عدم امتلاكه سوى لصلاحياتٍ محدودةٍ، ويجد صعوبة بالغة في إدارة عدد من القوى المتنافسة يبدو بينها الأضعف. ومع إن هذا الوضع أقرب إلى الحقيقة، لكن التبرير يحاول أن يخفي تحت طبقاته بعض المفارقات المفزعة غير القابلة للفهم والتفسير: صلاحيات محدودة وفي نفس الوقت تصريحات تحمل وعوداً وقدرات لا محدودة، مع فشل كبير في إلهام الناس سواء عسكريين أو عاديين وتحفيزهم بضرورة الدفاع عن مشروعهم الوطني في لحظة تاريخية فاصلة، فحتى هذه القوى المقسمة والمتنازعة لا يمكن أن تكون مجرد كُتلأ مصمتةً، ومغلقةً على ذاتها،، وتسود فيها تبعية عمياء، وتخلو من الأفراد الوطنيين الذي سيُقدِّمون المصلحة الوطنية على الحسابات قياداتهم الضيقة إذا ما توفر عنصر الإلهام. والمفارقة الأكبر أن العليمي مُدرِّكٌ تماماً لهذه المسألة، فقد قال ضمن ما قال في ٤ سبتمبر: «القوات المسلحة تخوض المعركة الحالية بإرادة صلبة وقيادة موحدة، والحوثوين لن يكونوا أقدر على الصمود من إرادة شعب بأكمله يدافع عن دولته وكرامته ومستقبله». (المصدر: sabanew.net/story/ar/151817). على العموم، كان الكلام في هذه المرحلة أرخص الأشياء وأيسرها. كانت الرسالة التي قدّمها رئيس مجلس الرئاسة للحوثي من خلال سلسلة خطاباته: نحن قادمون، لكن ليس الآن. وربما قد تكون هذه الصيغة أسوأ توقيت ممكن للإعلان، فهي تستفز الخصم في نقاط ضعفك. فَهَم الحوثي الرسالة على الوجه الأكمل، وطالما كان الاستعداد الناقص أخطر من عدم الاستعداد، وكما يُقال، إذ يجمع بين استفزاز العدو مع عدم اكتمال الاستعدادات والجهوزية على أرض الواقع، لم يتأخر في مهاجمة الساحل الغربي والسيطرة عليه.
2
1
6
1,362
أمين اليافعي retweeted
الجزء الثالث: ما قبل المعركة بُنيت قوات "المقاومة الوطنية" بعد ٢٠١٧ على أنقاض الحرس الجمهوري والأمن المركزي والقوات الخاصة بشكلٍ خاصٍ، ويُقدّر عددها بين ٣٠ ألفاً – ٥٠ ألفاً. وقد بُنيت في المدينة الساحلية التاريخية الشهيرة (المخا) ومحيطها، وقد سعت إلى بناء إطار يتجاوز التجمّع العسكري، فكانت أقرب إلى دولة صغيرة: ميناء، مطار، محطة شمسية، ومدينة تنمو وتتوسع باطراد، حتى صارت نموذجا للتنمية والاستقرار في المناطق الخاضعة للحكومة، وأيضاً موضعاً للحسد من قِبل كثيرين. وكانت رسالتها السياسية المُعلنة: العدو هو الحوثي، والغاية هي صنعاء. لكن هذه البُنية حَملَت في طياتها ثلاثة عيوب جوهرية متضافرة، لم تظهر إلا مؤخراً: - قوة بُنيت حول شخص واحد ولأجله، فبات التعيين والترقية والقرار والقاعدة الإدارية وكل صغيرة وكبيرة بيد قائد واحد، بحيث يُصبح الشخص والبُنية وحدة واحدة... وهذه الخاصية قد تكون ميزة في أوقات التشظي والانقسامات الأفقية والعمودية العميقة، وتعزيزاً للتماسك والتنظيم، لكنها تُكرِّس لنقطة ضعف قاتلة، فتجعل من مسألة بقائها واستمرارها مُعلقة في نقطةٍ فشلٍ واحدة، لذلك فهي قابلة للتلاشي سريعاً عند فناء أو خروج القائد من المشهد. - أن قوةً بـ "مشروعٍ هجوميٍّ" تُنظَّم وتُحضَّر بطبيعة الحال وفق منطق الاستراتيجية الهجومية (الكتائب، الرايات، التعزيز الرمزي والمعنوي، الجاهزية الإعلامية)، لا لمنطق الصد والاستنزاف في سهل تهامة المكشوف وضد جيش يجيد الحشد. - أن قوةً استقلّت عن مؤسسات الدولة بناء على مجموعة من الأسباب الموضوعية والمخاوف والتوجسات، استقلّت بالضرورة أيضا عن أي إطار يجمعها مع جيرانها في الجبهة. فلم تبق فقط خارج غرفة العمليات المشتركة، بل لم تسع إلى إنشاء بروتوكولات مشتركة على الأقل مع قوات العمالقة ودرع الوطن والمنطقة الرابعة. وهذه الفجوة هي التي استغلها الحوثي، وعَبَر هجومه من خلالها، حسب الرواية شبه الرسمية. يُشار إلى الرغبة بالاستقلال المؤسسي التام عادةً من ثلاث حُججٍ أو مبرراتٍ: حماية القوات من الاختراق، ومن الفساد، ومن الاستقطاب. وقد ورد هذا المنطق بشكلٍ أو بأخرٍ في سياق الرفض بأكثر من صيغة؛ فالقوات "لن تنجر إلى صراعات جانبية"، وبوصلتها "مُحددة باتجاه استعادة صنعاء أو استعادة الدولة التي يتم قرنها حصرياً بصنعاء، ولا تنشغل بالخلافات والصراعات بين المكونات المناهضة للحوثي. والحجج. والمبررات موضوعية تماما، فمؤسسات الشرعية كانت مرتعاً للفساد والاستقطاب وحتى الاختراق، وقد سبق تسليم عدد من الجبهات للحوثي بكل سهولةٍ ويُسرٍ، ومع كل ما لذ وطاب من الأسلحة والعتاد. وقد يكون هناك جدلٌ ليس حول وجاهة هذه الحجج والمبررات وواقعيتها، ولكن فيما إذا كانت تقتصر على الأهداف المعلنة فحسب. فالاستقلالية التامة قد تُفهم هنا كأصل أو مورد تفاوضي آني ولاحق، والانفراد المؤسسي يجعل من القوة أمراً لا يُستغنى عنها، ومن قائدها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية، كما يرفع من قيمته في سوق الرعاية الخارجية. ومن زاوية تحليلية بحتة، قد يُثار نقاشٌ نظريٌّ واسعً أيضاً حول الطريقة المُثلى للحماية من الاختراق. هل هو نموذج الإندماج الكامل المشكوك فيه من جهة، ومن جهة أخرى لم نر أي جديّة في تطبيقه من قِبل وزارة الدفاع على الأقل في الجانب التقني، ولا جديّة حتى في التعامل مع التهديد الحوثي للساحل الغربي وباب المندب ترتقي إلى مستوى التهديد، وليس أدل على ذلك من زيارة وزير الدفاع إلى جبهة الضالع المستقرة أثناء انطلاق هجوم الحوثي البري على الساحل. أم نموذج الاستقلالية الذي اُتبع، واضطرت المقاومة الوطنية إلى أن تَحْرِم نفسها من مزايا (نظرية) عديدة: منظومة اتصال موحّدة ومشفّرة، بروتوكولات تحقق من الأوامر، واحتياطيات وبدائل تشغيلية، فكانت أكثر عرضةً للانكشاف، أو صيغة منتقاة لأخذ المزايا المتوفرة، وتفادي السلبيات والثغرات (مثلاً؛ عندما وصل الهجوم إلى مركز القيادة في جبل لنار، فانقطع الاتصال بعدد من الألوية، كان على الأقل أن يتوفر مركز بديل مُجهّز حتى لا يتحوّل خلل أو اختراق تقني إلى نتائج فادحة). هناك ضبابية كبيرة حول الأسباب الحقيقية لعدم التنسيق والفوضى التي سادت، وروايات متضاربة، بعض الأسباب يمكن فهمها من السياق وطبيعة العلاقات التي حكمت بين القوى المضوية تحت جناح الشرعية، وبعضها طرأ في ميدان المعركة، وليس لدينا معلومات دقيقة ووافية حوله حتى اللحظة. خطاب الجاهزية كبديل عن الجهوزية من أهم السمات التي طبعت مرحلة ما قبل السقوط، وارََخت لها، هو تضخّم الخطابات والتصريحات الإعلامية من قِبل كل الأطراف في الشرعية. ففي أبريل ٢٠٢٦، صرّح طارق صالح في كلمة ألقاها أثناء تنفيذ زيارة ميدانية لأحد الألوية العسكرية بأن "معركة الخلاص باتت قريبة" داعياً إلى رفع الجاهزية القتالية والتدريب وصيانة المعدات (المصدر إرم نيوز: eremnews.com/news/arab-world… )، ونفس الكلمات كان قد كررها في ديسمبر ٢٠٢٤ "استعدوا ليوم الخلاص"، و"تحلّوا بالجاهزية الكاملة". وفي ٩ أغسطس ٢٠٢٦، وبعد سقوط أربعة صواريخ باليستية قُرب مقرّ القيادة، أعلن أن "الوضع تحت السيطرة الكاملة" وأن "جريمة استهداف المخا لن تّمرَّ دون ردع" وأن القوات في "أعلى درجات الجاهزية"، وأن قيمة "التحصينات والتدريب والتخطيط" هي التي ستُفشِّل خُطط العدو (المصدر وكالة ٢ ديسمبر الإخبارية: 2dec.net/news82565.html). وفي التاسع عشر من الشهر ذاته صرّح بأن هجمات الحوثيين "فشلت"، وهناك "معركة فاصلة" قادمة، وتحدث عن "دخول أسلحة جديدة إلى الخدمة" وتطوير للمسيّرات دون كشف عن الموعد (المصدر قناة الحرة: alhurra.com/35462). القارئ لهذا الكم الكبير من التصريحات يفهم شيئاً وحداً، أن هذه القوة تمتلك الخطط والقدرات والجاهزية التامة للمواجهة. لكن القراءة التحليلية الاسترجاعية قد تجد صعوبة بالغة في تحديد الأسباب أو الأهداف من وراء المبالغة الإغداق بمثل هذه الوعود الكبيرة؛ فهل كان الهدف رفع الروح المعنوية؟ لكن هل يتطلب رفع الروح المعنوية كل هذه المبالغة غير الواقعية؟ بل على العكس تماماً، في المعارك يجري التحفظ الشديد عن إعلان مصادر القدرة وأوراق القوة، فعنصر المفاجأة بات أحد الأسباب الرئيسية في تحقيق النصر. يَصْعُب فهم أهداف مثل هذا الخطاب، وربما المفتاح التحليلي الوحيد الذي قد يُساعدنا على فهمه يأتي من السياق اليمني وثقافة وأعراف قواه السياسية التليدة، حتى وإن كان هذا المفتاح يعتمد على استنباط سياقيةوليس لديه ما يدعمه من أدلة واقعية. إذن إذا حاولنا فهم وظيفة هذا الخطاب الذي يبدو بعيداً كلياً عن الواقع، وفي لحظة حساسة وحاسمة، وعلى ضوء ما الثقافة السياسة السائدة في اليمن، فهو إذن نوع من الاستراتيجية الخطابية أو الحيل للفت انتباه الرعاة، وإثبات استحقاق هذا الفاعل للدعم والرعاية، ورسالة للسوق السياسية بأنه الطرف الأكثر جديّة ومثابرة في المعادلة، ووحده هو السد المنيع الذي يحَُول دون وصول الحوثي إلى باب المندب، ولكل ذلك ثمن بالتأكيد. قد تكون مثل هذه الخطابات والرسائل نافعة ومُربحة جداً من الناحية السياسية، وفي لحظات الرخاء أو تلك التي لا تكون فيها القوى أمام اختبارات كبيرة، لكنه من الناحية الميدانية والعملياتية مُكلِّف جداً، فالردع عن طريق التصريحات يَخْلُق وهماً بأن التحضير قد تم، ويُطمئن أو يُخدِّر الجمهور (المنُاصر) عن القيام بإي إسناد لإنقاذ الجبهة من السقوط، ويُرهق القوات الميدانية التي يبنى لها سقفٌ لا تقدر على الوفاء به. ولإن الإعلانات المتكررة تنزع المصداقية تدريجياً، فتضع صاحبها أمام أسوأ خيارين: مهدداً بما يكفي ليجلب على نفسه الهجوم أو الاستعجال به، ومكشوفاً بما يكفي ليجعله مستهدفاً.
الجزء الثاني: فحص الروايات بعد حدوث الانهيار الكبير، راجت الكثير من الروايات حول الأسباب التي أدت إلى هذه الانهيار، من الروايات التي حاولت التركيز على أسبابٍ ميدانيةٍ وتنظيميةٍ واضحةٍ ومعقولةٍ، لكن ظلّت هناك مشكلة في تحليلها تحليلاً وافياً، إلى عدد من نظريات المؤامرة التي تزاحمت بكُثرة موسميّة، وتم توزيعها على جميع الأطراف بالتساوي. وعلى الرغم من تعقّد المشهد اليمني، واشتداد العدوات بين القوى المحلية، وتكثّف الصراعات بين الأطراف الإقليمية والدولية، لكن هذا لا ينفي الحاجة إلى دليلٍ أكيدٍ نبني عليه تحليلاتنا عند تبني واحدة من هذه الروايات (المؤامراتية). قد تكون هناك رغبة لدى أطراف معينة في هزيمة أو فشل هذا الطرف أو ذلك، لكن الرغبة تختلف تماماً عن المشاركة والتسهيل المباشر، وهذا الأمر ينطبق حتى على قيادات وجنود قوات المقاومة الوطنية ممن كانوا يقضون اجازاتهم في مناطق سيطرة الحوثي، فالخطأ وإن كان قاتلاً يختلف عن المشاركة المتعمدّة في سقوط الجبهة بإيدي العدو. لذلك، سنحاولُ في هذا الجزء من المقال الوقوف على أبرز الروايات أو الأسباب ذات القابلية للتحليل والتفسير ومناقشتها. الكثافة النارية: هذه أوسع الروايات انتشاراً، فقد استخدم الحوثي كثافة نارية عالية، وصواريخ باليستية ومسيّرات وطائرات انتحارية ومدفعية، والأرقام تدعم الرواية. فما بين التاسع من أغسطس والتاسع من سبتمبر تحدثت المصادر عن ١٣٠ صاروخاً باليستياً، و١٤٥ مسيّرة انتحارية، و ١٥ زورقاً مفخخاً لتدمير ميناء المخا. فهل كانت الكثافة النارية سبباً رئيسياً للانهيار؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نفحص أو نقف على ثلاث ملاحظات: - الكثافة النارية ليست حدثاً جديداً أو طارئاً في معارك الحوثيين، بل هو أسلوبٌ ينتهجوه منذ سنوات. والقاعدة العملياتية تقول بإن ما هو متوقع لا يُعدّ مفاجأة، وإنما يُعدّ مشكلة تخطيط وتحصين. فالتفسير بالمعلوم هو وصفُ عجزٍ، لا بيانُ سبب. - المدفعية والصواريخ لا تحتل التلال والجبال، ولا تَحْرُس الطُرق. وبما إن الصحفي محمد القاضي تحدث في تحليله عن الفارق الجوهري بين تدمير موقع واحتلاله (الطائرات تستطيع أن تضرب مخازن السلاح ومراكز القيادة، لكنها لا تستطيع أن تحتلّ جبلًا ولا أن تؤمّن طريقاً ولا أن تدافع عن ميناء). بمعنى أن النيران تُهيئ فقط، والمناورة تَحْسُم، وهذا بالضبط ما فعله الحوثيون؛ فهم استخدموا النيران والاستطلاع لإضعاف المواقع، ثم استغلوا الثغرات الناتجة عن الانسحاب لإدخال قوات برية. إذن الكثافة النارية أداة تمكين، لا علّة الانهيار. - نجح الحوثيون في تحويل التفوّق الناري إلى تفوق عملياتي فقط في الأماكن التي وجدوها قابلة للانهيار. فالنار نفسها لم تُنتج الانهيار في كل مكان، فبعض التشكيلات العسكرية كالقوات التهامية، وفق بعض المصادر الميدانية، حافظت على تماسكٍ أكبر، ولم تنسحب إلا بعد الخشية من تطويقها كلياً (سنعود إلى القوات التهامية لاحقاً عند الحديثة عن العقيدة القتالية التي تمثّلت هنا بالدفاع عن الأرض ودورها في الثبات). وعندما يتمايز السلوك تحت النار ذاتها، فالعامل الحاسم إذن ليس النار. الحشد البشري: القول بإن الحوثي حشد عشرات الآلاف من المقاتلين إلى الجبهة صحيحٌ أيضاً، ومع ذلك فهو برهان على تفنيد الرواية لنفسها. فالحشد لم يكن سِراً، ولم يكن حدثاً مفاجئاً في ليلة المعركة، بل تراكماً ظاهراً ومُعلَناً ومرصوداً، وهناك مصادر تحدثت بإن التحشيد جرى على مدار سنتين، وأن العملية لم تكن سِراً على الإطلاق. فإذا كان الحشد معلوماً، والهدف معلوم أيضاً، ومعلوم التوقيت، فالسؤال الذي ينبغي أن يُسأل ليس "كيف حشد الحوثي؟ ولا عن حجم الحشد؟"، بل ما الذي بُني في المقابل على مدى الشهور التي سبقت المعركة. سنتطرق إلى نقاش هذا السؤال في القسم الرابع، وسنبين أن الأمر لا يتعلق بحجم القوات فحسب، بل بكم كان منها حقيقياً على الأرض أصلاً. اختراق الاتصالات والذكاء الاصطناعي وهذه أحدث الرواية وأكثرها إثارة، وهي مزيج من معطيات صلبة وطبقة فنتازية. فالمُعطى الأكيد هو أن جبهات الحوثي ضمت فرقاً من الخبراء الأجانب والمحليين ضمن تحضيراتها واستعداداتها الكبيرة والدؤوبة للحرب، واستيلاء على واحد من أهم الممرات البحرية في العام، وفي توقيت حساسٍ. وقد تكون المعلومة التي زعمت عن قدرة وحدات الحرب الالكترونية بالرصد والتنصت على أكثر من ٥ ألف جهاز لا سلكي صحيحة - مع غياب وسيلة للتأكد منها، وإن المنظومة استُخدِمت لتمرير أوامر انسحاب إلى وحدات في وقتٍ كانت مواقعها تُضرَب بكثافة بالصواريخ والمسيرات. ووفق تقريرٍ تحليليٍّ آخرٍ، جرى تمرير أوامر الانسحاب المزيفة عبر أجهزة اللاسكي والرسائل النصية وواتساب، وأضيف إلى ذلك صوتٌ مستنسخٌ بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن نكون دقيقين عند نقاش مثل هذه الأمور. فالاختراق حتى وإن حدث بالكيفية التي تم الحديث عنها لم يصنع الانهيار بذاته، بل كشف في الحقيقة عن بُنية لا تستطيع التحقق من أمرٍ ما، وهي أمورٌ بديهيةٌ في اللحظات العادية والحياة العادية، فما بالنا داخل المؤسسات العسكرية وفي ساعة المعركة. تسقط عُقدة القيادة في جبل النار فينقطع الاتصال بعدد من الألوية؛ ثم يَصِل أمرٌ بالانسحاب لا يملك أحدٌ آلية مستقلة للتحقق منه؛ ثم تنسحب وحدةٌ عسكرية، فينكشف ظهر جارتها؛ فينتشر الخبر كالنار في الهشيم مع هلعٍ كبيرٍ. أي أن الاختراق في النهاية لم يعمل في فراغ، بل عَمِل عبر ممرّات ثقة غير محصنة. ونقطة الحسم أن الوحدات التي اعتمدت على هيكل تقليدي قائم على التجنيد والرواتب كانت أكثر عرضةً للتفكك بعد فقدان القيادة، بينما حافظت الوحدات التهامية مثلاً، الأكثر محلية، على سلاسل قياداتها. فالضعف إذن لم يكن في التشفير وحدة، وهو ورادٌ، بل في البنية القيادية، والهيكل المؤسسي والعقيدة الوطنية؛ فلا ناظم تحقق من الأوامر الدنيا (كالقول: لا يُنفّذ أمر انسحاب الكتيبة الفلانية إلا بكود متسلسل وصوتين مثلاً)، ولا مركز قيادة بديل مُجهّز، ولا خطة انسحاب مُختبرة. وهذه جميعها ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على غياب أبجديات العمل المؤسسي. والمشكلة أن أخطر ما في هذه الرواية ليس مضمونها، الذي قد يكون صحيحاً، وكما قلتُ سابقاً، بل وظيفتها، فهي تتبرع بجواب جاهز يُبرئ الجميع من المسئولية، فالحوثي خارقٌ، ولا قِبل لنا به. غيابُ وحدة القيادة هذه أصحّ الروايات وأخطرها. أصحّها ليس لأنها تتكرر في جميع المصادر دون استثناء، بل هذا هو واقع الحال في الجبهة المناهضة للحوثي. وبالفعل، كانت القوات المدافعة عن الساحل – المقاومة الوطنية، وألوية العمالقة، ودرع الوطن، ومحور تعز – تشكيلات "منفصلة السلاسل القيادية والإمداد، ولا تعمل بطريقة الجيش الواحد المندمج" وكما وصفها محقاً أحد التحليلات. المشكلة أن طارق صالح كان من أكثر الأطراف التي عارضت "وحدة القيادة"، وهي خطوةٌ كان سيترتب عليها دمج قواته في إطار وزارة الدفاع، وكان طارق ينظر إلى خطوةٍ كهذه كاستهداف لقواته، وكتهديد لمركزه/طموحه السلطوي. وفي ظل تحشيدات الحوثي الكثيفة واستعدادته الكبيرة على مدار العامين الماضيين، لم يقم طارق صالح بأي خطوة لتحصين وتعزيز قواته، بل انتهز كل مناسبة للإيحاء عن استعداده الكبير لأي معركة قادمة. كانت هناك بالتأكيد أسبابٌ موضوعية تحول دون ذلك كعلاقته المعقدة مع محور تعز التابع لحزب الإصلاح، وهو الحزب الذي بادر ناشطوه وإعلاميوه إلى المطالبة بمحاكمته بعد سقوط المخا بتهمة الخيانة، معتبرينها فرصة ذهبية للتخلص منه، بينما لم تكن سرعتهم في المبادرة حاضرة ساعة المعركة. على أن طارق صالح لم يبذل أي جهود كافية حتى للتحضير لاستقبال الدعم من المنطقة العسكرية الرابعة، وقوات العمالقة ودرع الوطن، والصورة الوحيدة التي اظهرته بجانب حمدي شكري – قائد المنطقة الرابعة – قبل أيام قليلة من سقوط المخا لا تعكس بأنهما بصدد الدخول سوياً في معركة كبيرة، بل لا تعكس أي إحساسٍ بوجود معركة من الأساس، وقد انعكس كل ذلك على الطريقة الكارثية التي تم بها إدماج القوات الوافدة في أرض المعركة.
4
4
2
37
28,011
أمين اليافعي retweeted
الجزء الثاني: فحص الروايات بعد حدوث الانهيار الكبير، راجت الكثير من الروايات حول الأسباب التي أدت إلى هذه الانهيار، من الروايات التي حاولت التركيز على أسبابٍ ميدانيةٍ وتنظيميةٍ واضحةٍ ومعقولةٍ، لكن ظلّت هناك مشكلة في تحليلها تحليلاً وافياً، إلى عدد من نظريات المؤامرة التي تزاحمت بكُثرة موسميّة، وتم توزيعها على جميع الأطراف بالتساوي. وعلى الرغم من تعقّد المشهد اليمني، واشتداد العدوات بين القوى المحلية، وتكثّف الصراعات بين الأطراف الإقليمية والدولية، لكن هذا لا ينفي الحاجة إلى دليلٍ أكيدٍ نبني عليه تحليلاتنا عند تبني واحدة من هذه الروايات (المؤامراتية). قد تكون هناك رغبة لدى أطراف معينة في هزيمة أو فشل هذا الطرف أو ذلك، لكن الرغبة تختلف تماماً عن المشاركة والتسهيل المباشر، وهذا الأمر ينطبق حتى على قيادات وجنود قوات المقاومة الوطنية ممن كانوا يقضون اجازاتهم في مناطق سيطرة الحوثي، فالخطأ وإن كان قاتلاً يختلف عن المشاركة المتعمدّة في سقوط الجبهة بإيدي العدو. لذلك، سنحاولُ في هذا الجزء من المقال الوقوف على أبرز الروايات أو الأسباب ذات القابلية للتحليل والتفسير ومناقشتها. الكثافة النارية: هذه أوسع الروايات انتشاراً، فقد استخدم الحوثي كثافة نارية عالية، وصواريخ باليستية ومسيّرات وطائرات انتحارية ومدفعية، والأرقام تدعم الرواية. فما بين التاسع من أغسطس والتاسع من سبتمبر تحدثت المصادر عن ١٣٠ صاروخاً باليستياً، و١٤٥ مسيّرة انتحارية، و ١٥ زورقاً مفخخاً لتدمير ميناء المخا. فهل كانت الكثافة النارية سبباً رئيسياً للانهيار؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نفحص أو نقف على ثلاث ملاحظات: - الكثافة النارية ليست حدثاً جديداً أو طارئاً في معارك الحوثيين، بل هو أسلوبٌ ينتهجوه منذ سنوات. والقاعدة العملياتية تقول بإن ما هو متوقع لا يُعدّ مفاجأة، وإنما يُعدّ مشكلة تخطيط وتحصين. فالتفسير بالمعلوم هو وصفُ عجزٍ، لا بيانُ سبب. - المدفعية والصواريخ لا تحتل التلال والجبال، ولا تَحْرُس الطُرق. وبما إن الصحفي محمد القاضي تحدث في تحليله عن الفارق الجوهري بين تدمير موقع واحتلاله (الطائرات تستطيع أن تضرب مخازن السلاح ومراكز القيادة، لكنها لا تستطيع أن تحتلّ جبلًا ولا أن تؤمّن طريقاً ولا أن تدافع عن ميناء). بمعنى أن النيران تُهيئ فقط، والمناورة تَحْسُم، وهذا بالضبط ما فعله الحوثيون؛ فهم استخدموا النيران والاستطلاع لإضعاف المواقع، ثم استغلوا الثغرات الناتجة عن الانسحاب لإدخال قوات برية. إذن الكثافة النارية أداة تمكين، لا علّة الانهيار. - نجح الحوثيون في تحويل التفوّق الناري إلى تفوق عملياتي فقط في الأماكن التي وجدوها قابلة للانهيار. فالنار نفسها لم تُنتج الانهيار في كل مكان، فبعض التشكيلات العسكرية كالقوات التهامية، وفق بعض المصادر الميدانية، حافظت على تماسكٍ أكبر، ولم تنسحب إلا بعد الخشية من تطويقها كلياً (سنعود إلى القوات التهامية لاحقاً عند الحديثة عن العقيدة القتالية التي تمثّلت هنا بالدفاع عن الأرض ودورها في الثبات). وعندما يتمايز السلوك تحت النار ذاتها، فالعامل الحاسم إذن ليس النار. الحشد البشري: القول بإن الحوثي حشد عشرات الآلاف من المقاتلين إلى الجبهة صحيحٌ أيضاً، ومع ذلك فهو برهان على تفنيد الرواية لنفسها. فالحشد لم يكن سِراً، ولم يكن حدثاً مفاجئاً في ليلة المعركة، بل تراكماً ظاهراً ومُعلَناً ومرصوداً، وهناك مصادر تحدثت بإن التحشيد جرى على مدار سنتين، وأن العملية لم تكن سِراً على الإطلاق. فإذا كان الحشد معلوماً، والهدف معلوم أيضاً، ومعلوم التوقيت، فالسؤال الذي ينبغي أن يُسأل ليس "كيف حشد الحوثي؟ ولا عن حجم الحشد؟"، بل ما الذي بُني في المقابل على مدى الشهور التي سبقت المعركة. سنتطرق إلى نقاش هذا السؤال في القسم الرابع، وسنبين أن الأمر لا يتعلق بحجم القوات فحسب، بل بكم كان منها حقيقياً على الأرض أصلاً. اختراق الاتصالات والذكاء الاصطناعي وهذه أحدث الرواية وأكثرها إثارة، وهي مزيج من معطيات صلبة وطبقة فنتازية. فالمُعطى الأكيد هو أن جبهات الحوثي ضمت فرقاً من الخبراء الأجانب والمحليين ضمن تحضيراتها واستعداداتها الكبيرة والدؤوبة للحرب، واستيلاء على واحد من أهم الممرات البحرية في العام، وفي توقيت حساسٍ. وقد تكون المعلومة التي زعمت عن قدرة وحدات الحرب الالكترونية بالرصد والتنصت على أكثر من ٥ ألف جهاز لا سلكي صحيحة - مع غياب وسيلة للتأكد منها، وإن المنظومة استُخدِمت لتمرير أوامر انسحاب إلى وحدات في وقتٍ كانت مواقعها تُضرَب بكثافة بالصواريخ والمسيرات. ووفق تقريرٍ تحليليٍّ آخرٍ، جرى تمرير أوامر الانسحاب المزيفة عبر أجهزة اللاسكي والرسائل النصية وواتساب، وأضيف إلى ذلك صوتٌ مستنسخٌ بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن نكون دقيقين عند نقاش مثل هذه الأمور. فالاختراق حتى وإن حدث بالكيفية التي تم الحديث عنها لم يصنع الانهيار بذاته، بل كشف في الحقيقة عن بُنية لا تستطيع التحقق من أمرٍ ما، وهي أمورٌ بديهيةٌ في اللحظات العادية والحياة العادية، فما بالنا داخل المؤسسات العسكرية وفي ساعة المعركة. تسقط عُقدة القيادة في جبل النار فينقطع الاتصال بعدد من الألوية؛ ثم يَصِل أمرٌ بالانسحاب لا يملك أحدٌ آلية مستقلة للتحقق منه؛ ثم تنسحب وحدةٌ عسكرية، فينكشف ظهر جارتها؛ فينتشر الخبر كالنار في الهشيم مع هلعٍ كبيرٍ. أي أن الاختراق في النهاية لم يعمل في فراغ، بل عَمِل عبر ممرّات ثقة غير محصنة. ونقطة الحسم أن الوحدات التي اعتمدت على هيكل تقليدي قائم على التجنيد والرواتب كانت أكثر عرضةً للتفكك بعد فقدان القيادة، بينما حافظت الوحدات التهامية مثلاً، الأكثر محلية، على سلاسل قياداتها. فالضعف إذن لم يكن في التشفير وحدة، وهو ورادٌ، بل في البنية القيادية، والهيكل المؤسسي والعقيدة الوطنية؛ فلا ناظم تحقق من الأوامر الدنيا (كالقول: لا يُنفّذ أمر انسحاب الكتيبة الفلانية إلا بكود متسلسل وصوتين مثلاً)، ولا مركز قيادة بديل مُجهّز، ولا خطة انسحاب مُختبرة. وهذه جميعها ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على غياب أبجديات العمل المؤسسي. والمشكلة أن أخطر ما في هذه الرواية ليس مضمونها، الذي قد يكون صحيحاً، وكما قلتُ سابقاً، بل وظيفتها، فهي تتبرع بجواب جاهز يُبرئ الجميع من المسئولية، فالحوثي خارقٌ، ولا قِبل لنا به. غيابُ وحدة القيادة هذه أصحّ الروايات وأخطرها. أصحّها ليس لأنها تتكرر في جميع المصادر دون استثناء، بل هذا هو واقع الحال في الجبهة المناهضة للحوثي. وبالفعل، كانت القوات المدافعة عن الساحل – المقاومة الوطنية، وألوية العمالقة، ودرع الوطن، ومحور تعز – تشكيلات "منفصلة السلاسل القيادية والإمداد، ولا تعمل بطريقة الجيش الواحد المندمج" وكما وصفها محقاً أحد التحليلات. المشكلة أن طارق صالح كان من أكثر الأطراف التي عارضت "وحدة القيادة"، وهي خطوةٌ كان سيترتب عليها دمج قواته في إطار وزارة الدفاع، وكان طارق ينظر إلى خطوةٍ كهذه كاستهداف لقواته، وكتهديد لمركزه/طموحه السلطوي. وفي ظل تحشيدات الحوثي الكثيفة واستعدادته الكبيرة على مدار العامين الماضيين، لم يقم طارق صالح بأي خطوة لتحصين وتعزيز قواته، بل انتهز كل مناسبة للإيحاء عن استعداده الكبير لأي معركة قادمة. كانت هناك بالتأكيد أسبابٌ موضوعية تحول دون ذلك كعلاقته المعقدة مع محور تعز التابع لحزب الإصلاح، وهو الحزب الذي بادر ناشطوه وإعلاميوه إلى المطالبة بمحاكمته بعد سقوط المخا بتهمة الخيانة، معتبرينها فرصة ذهبية للتخلص منه، بينما لم تكن سرعتهم في المبادرة حاضرة ساعة المعركة. على أن طارق صالح لم يبذل أي جهود كافية حتى للتحضير لاستقبال الدعم من المنطقة العسكرية الرابعة، وقوات العمالقة ودرع الوطن، والصورة الوحيدة التي اظهرته بجانب حمدي شكري – قائد المنطقة الرابعة – قبل أيام قليلة من سقوط المخا لا تعكس بأنهما بصدد الدخول سوياً في معركة كبيرة، بل لا تعكس أي إحساسٍ بوجود معركة من الأساس، وقد انعكس كل ذلك على الطريقة الكارثية التي تم بها إدماج القوات الوافدة في أرض المعركة.
9
4
1
50
51,142
أمين اليافعي retweeted
تحليل التحليلات أو عن الحق في تحليلٍ رصينٍ (الجزء الأول) تابعتُ الكثير من التحليلات التي قيلت وكُتبِت عن أسباب الانهيار الكبير في الساحل الغربي باهتمامٍ شديدٍ، وفي الحقيقة، وإزاء الأحداث الكبرى في اليمن، يبدو أنه في كل مرّة سيَحُولُ بيننا وبين الفهم الشامل والوافي لما جرى مسافات طويلة، وقد ساهمت هذه التحليلات التي تقع بسهولة في فخ ثنائية "التبرير أو التخوين" في اتساع المسافة بينا وبين الفهم المنشود. ولعل أبرز الأسباب التي تؤدي في العادة إلى السقوط في فخ هذه الثنائية القاتلة، خصوصاً في الأحداث الكبيرة، هي الطبيعة السلطوية التنافسية الشرسة والضارية التي تتشكل عليها القوى السياسية في اليمن ويتحدد بها سلوكها وأهدافها، وتفرَّغها هذه النزعة في الغالب من المضمون السياسي المتمثل في ترشيد التنافس، وتدبير سلمي للصراعات، وإدارة مرنة للتحالفات ولعلاقات القوة. وبسبب الطبيعة الاجتماعية، عادة ما تكون القوى المتنافسة متقاربة في أوزانها وأحجامها، وفي تنافسها (غير الشريف) مع الآخرين، تلجأ إما إلى الاستعانة بالخارج لترجيح كفتها أو إلى استغلال الأحداث الكبيرة للتخلّص من أحد الأطراف (العقبة) أمام اندفاعها الجامح لإشباع نهمها في الهيمنة، وهذه الآلية تسود حتى بين الأطراف التي تقف في لحظةٍ ما في صفٍ واحدٍ، أو يُفترض بها ذلك، فتضيع في دوامة هذا الصراع غير المُقيد/غير المُنضبط البوصلة والأولويات. ولأن لكل قوة من القوى كُتّاب ومحلّلون و"باحثون" تكون وظيفتهم (الحصرية) في الغالب التسويق والدفاع والتبرير لا الفهم، فيزيح التحليل عن كاهله مهمة الكفاءة/القدرة التفسيرية ليكتفي بالأداء الحجاجي – التبريري أو التخويني – أمام الجمهور المُناصِر والمُعادي. فتُصبح التحليلات سليمةً في هذه الحالة بمعنى واحدٍ فقط، أي تبرئة الأصدقاء وتخوين الخصوم. كان من المتوقع أن يفتح حدثٌ بهذا الحجم أسئلةً تحليليةً واضحةً: لماذا وكيف؟ لكن الحدث الكبير سهّل من انزلاق التحليلات سريعاً إلى فخ الاستنطاق الجنائي عوضاً عن حفر كل زوايا الحدث وأبعاده بالتساؤلات الاستفهامية (السببية)، فانتقلنا من السؤال المركزي عن "كيف حدث هذا، ومن أي سياق/بنية خرج؟" إلى سؤال: "من الخائن المُباشر/المتسبب الرئيسي". سأحاولُ من خلال مقالٍ من عدّة أجزاءٍ الاشتباك – نقدياً – مع أبرز الحجج والمبررات الواردة في التحليلات حول ما حدث في الساحل الغربي خلال الأيام الماضية. كثيرٌ من هذه الحجج قد تكون صحيحة جزئياً، وصحيحة أيضا وقائعياً – في الواقع، لكنها فاشلة في تفسير الحدث على نحوٍ شاملٍ ودقيقٍ، فهي تُحاول في سبيل المهمة التبريرية المنتدبة لها أخذ صورة للحدث من زاوية معينة، وربما ضيقة جداً، ثم تعميمه باعتباره العنصر التفسيري المركزي، وحتى دون التفحّص ولو قليلاً في النتوءات الناتجة عن الخلط بين السبب والشرط والعامل المُسهِّل والسياق التي تظهر بوضوح من هذه الزاوية نفسها، فضلاً عن الحق في رؤية الحدث من زوايا مختلفةٍ. وقبل الخوض في مناقشة التحليلات، ينبغي علينا أولاً تحديد معايير أساسية نُحاكم بها أي تحليل أو تفسير، وحتى نتجنب الخلط بين عناصر الحدث المختلفة عند تحليلها: أولاً قابلية التكذيب: التفسير الجيد هو الذي يمكن أن يُكذِّب، بمعنى أننا نستطيع أن نُحدَّد مُسبقاً ما هو المُعطى أو الملاحظة التي لو ظهرت لبَطَلَت صحته. أما التفسيرات التي تُبرّى صاحبها مقدماً، وفي كل الأحوال (خُدِعنا، تم التخلي عنّا...) فهي مُنتجات غير قابلة للتكذيب أو المُساءلة، ومن ثم فهي لا تسمح للفهم والتعلّم في سبيل تفادي تكرار ما حدث مستقبلاً، فالعذر موجود مسبقاً، ولا يحتاج إلى أي جهد لإثباته. ثانياً، اللزوم والكفاية: هل العاملُ المُقدَّمُ شرطاً لازماً للنتيجة؟ وهل كان كافياً لها؟ والدليل العملي/الميداني هنا حاضرٌ في الواقعة نفسها. فنحن نعرف أن تشكيلاتٍ مُعيَّنةً صَمَدت لفترةٍ أطولَ، وانسحبت بتماسكٍ تحت النيران (الكثيفة) ذاتها. فإذا كان العاملُ المُفترضُ كافياً، فَلِمَ تمايزَ السلوكُ؟ وإذا لم يكن كافياً، فهو لم يهتم سوى بجزءٍ بسيطٍ من المشهد. ثالثاً، الاختبار بالافتراض المُضاد: أي تفسيرٍ لا يستقيم إلا إذا سألنا "لو جرى هذا العامل بغير ما جرى، فهل كانت النتيجة ستختلف؟". فالرواية القائلة بأن الهزيمة وَقَعَت بسبب انسحاب مفاجئ في الخطوط الأمامية للمعركة تنهار إذا لم نُبيّن ما الذي جعل هذا الانسحاب قابلاً للانتشار كالنار في الهشيم في ساعات قليلة وبين أعداد هائلة. أما الرواية التي تُرجِع السبب إلى "عدم وحدة القيادة والعمليات"، وهي صحيحة جزئياً، لكنها تُصبِح مُصادرةً على المطلوب إذا كان من يعرضها بوصفها سبباً/عذراً للهزيمة هو نفسه من رأى سابقاً في "وحدة القيادة والعمليات" خطراً على قواته، والعزلة تحصيناً لها، واظهر خطاباً – دعائياً – متواصلاً عن الجاهزية التامة، والقدرة على الانتصار، وبسهولة. رابعاً، عدم تناسق المعلومات: يكاد يتعذَر اليوم أي تحقيقٍ موثوقٍ في تفاصيل الساعات الأخيرة، فمظم الروايات مصدرها طرفٌ خرج مهزوما من المعركة، وتحركه دوافع إثبات البراءة ودفع التهم أكثر ما تهمه تقديم رواية متماسكة ومعلومات دقيقة ومتكاملة. ولهذا يتطلب التحليل المنهجي التمييز بين ما هو مُوثّق، وما هو مروي وما هو استنتاج. خامساً، مستويات التحليل: الانهيار لم يكن حدثاً عادياً وبسيطاً، بل حصيلة ثلاث مستويات متداخلة: عملياتية-ميدانية (تصميم القوة، والقيادة والسيطرة)، وبنيوية-سياسية (طبيعة القوى المناهضة للحوثي) ومعرفيّة (كيف قُرئَت نوايا العدو وقدراته وتحركاته). والغالب في النقاشات والتحليلات أنها تتوقف غالباً عن مستوى من المستويات، وهذا بالضبط ما جعلها قاصرة ومُختزلة.
1
1
9
795
أمين اليافعي retweeted
يقال في فلسفة العلم بأن "العلم هو تاريخ تصحيح الأخطاء" أما في اليمن فكل خطأ يتم معالجته بخطأ أكبر وأفدح... وهكذا لهذا فاليمن هو تاريخ مراكمة وتضخيم الأخطاء
3
1
10
906
أمين اليافعي retweeted
حسين حنشي : أنا والله واحد عفاشي وحدوي . اقسم بالله من اول ماظهروا حسين حنشي، عدنان الأعجم ، صالح العبيدي، ردفان دييس ، صلاح العاقل و صلاح بن لغبر عرفت ان مرحلة الأكاديميين إنتهت وبدأت مرحلة تصدير السفهاء للمجتمع . اليوم رأيت منشور لحسين حنشي يهاجم فيه وديع منصور مع ان الإثنين وجهين لعمله واحدة . الوحيد الذي كان صاحب شرف وقيم ويحمل قضية هو الشهيد نبيل القعيطي رحمه الله .
2
8
1,906
أمين اليافعي retweeted
يدهشنا أمين اليافعي في كل مرة بما يلتقطه، ليس فقط من روح زمننا، بل من أرواح أزمنة سابقة، واستشراف مستقبل يلقي بشواهده في الحاضر.
مستقبل الرواية يمكن القول بأن عبقرية نجيب محفوظ لا تتجلى في قيمة ما قدمه من إنتاج أدبي، بقدر ما تكمن في فهمه المبكر للسياق - على المستوى العربي - وإدراكه العميق لشروط اللحظة / السوق. فخريج الفلسفة الذي اتجه إلى كتابه الرواية كان قد أدرك منذ وقت مبكر أهمية فن الرواية في الزمن الذي عاشه، وقد ظهر ذلك جلياً في نقاشه مع عباس محمود العقود الذي كتب مقالاً نقدياً حاداً ضد فن القصة (كما كانت تُسمى الرواية في ذلك الوقت)، وزعم بفضل الشعر على الرواية وبما لا يدع مجالاً للمقارنة ("إن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة"، العقاد). بينما جاء منطق محفوظ في معارضته لزعم العقاد متكئاً على ما سماها روح / حقائق العصر وهي في الأساس قيم السوق وثقافة الاستهلاك الجديدة ("لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والاساطير. أما هذا العصر، عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتماً إلى فن جديد يوفّق على قدر الطاقة بين شغف الانسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم الى الخيال. «فالقصة» على هذا الرأي هي شعر الدنيا الحديثة، وسبب آخر لا يقل عن هذا في خطره هو مرونة القصة وأتساعها لجميع الأغراض، مما يجعلها أداة صالحة للتعبير عن الحياة الإنسانية في أشمل معانيها"، محفوظ). كانت الرواية أكثر فن أدبي / كتابي استفاد مما يُمكن تسميته بـ "عصر القراءة"، حيث تحولت القراءة إلى امتياز، وقيمة عليا، ودلالة على الثقافة الرفيعة، وفي القلب من ذلك قراءة الروايات، ثم تضاعفت استفادتها بتكاملها مع السينما والتلفزيون. لكن هذا المسار يبدو أنه يشهد تحولاً دراماتيكياً منذ سنوات بفعل تفشي قيم سوقية مختلفة، وثقافة استهلاكية جديدة تحت وطأة البدائل الكثيرة التي يطرحها التطور التكنولوجي الهائل (على سبيل المثال، وبحسب إحصائية رسمية، فقد تراجعت القراءة في الولايات المتحدة بين 2003 - 2016 بنسبة 19%، أي قرابة الخُمس، وهو رقم هائل قياساً إلى الزمن الكلي). طوال السنوات الماضية يحاول الروائيون، منظرو الرواية، ومعهم مختلف المشتغلين بالنقد الأدبي إيجاد مسارات جديدة للرواية لإخراجها من مأزقها أو نهايتها المحتومة كفن ذات هيمنة وسطوة. وفي سبيل ذلك، يطرح البعض فكرة تدعو إلى ضرورة تحرير الأنواع الأدبية المختلفة من التنميطات بإمحاء الحدود - الايديولوجية والافتراضية - بينهم والاكتفاء بإدراج جميع أنواع وأشكال التعبير الأدبي تحت فئة "النص" أو "الكتابة"، للاستفادة من كل إمكانيات الكتابة الأدبية. بينما يذهب آخرون إلى ضرورة تجاوز أي بنية نمطية للرواية، تحت زعم أن "الرواية هي - في الأخير - نثر طويل مركّب ينهض على لعبة بشخصيات مختلقة، وهذه هي الحدود الوحيدة". ومع كل هذا المحاولات الدؤوبة والمضنية في سبيل إنقاذ مستقبل الرواية، ربما لم يتم الانتباه بالقدر الكافي إلى أن مشكلة الرواية ومأزقها، كما كانت مشكلة الشعر ومشكلة الفن التشكيلي في السابق، تأتي من خارجها، أي في تغير شروط التلقي، وظهور وسائل جديدة هي أكثر تعبيراً عن "روح / حقائق العصر"، بتعبير نجيب محفوظ. فالتطبيقات الديجتالية وصناعة المحتوى الرقمي، خصوصاً المرئي منه، بات بمقدورهم توفير كل ما يريده إنسان هذا العصر، كما تستطيع التعبير عنه في كل حالاته ونفسياته وخيالاته حتى تلك الشاطحة منها، وبصورة أكثر فاعلية وتفاعلية. وفي هذا السياق الجديد، قد ترتاد الرواية شِعاباً وعرة، وتحولات حاسمة، لكنها ستجد نفسها في النهاية محصورة في تداولها ضمن حلقات صغيرة، وكما انتهى الحال بالشعر والفن التشكيلي.
1
1
7
211
أمين اليافعي retweeted
"إن وهن الكِبر قد فشا في بدني، وليس معي من حدّة الذهن ما أبتدئ به الرأي. ولكن اجتمعوا وقولوا، فإنّي إذا مرَّ بي الصواب عرفتهُ". أكثم بن صيفي
1
5
276
أمين اليافعي retweeted
التحليل الصحفي والبحث العلمي معظم المراكز اليمنية المصنفة كـ "مؤسسات بحثية" نشأت من خلفيات صحفية صِرفة، مما أفضى إلى خلطٍ فادحٍ بين أدوات "التحليل الصحفي" ومتطلبات "البحث العلمي"، وهذا التماهي انعكس سلباً على جودة المخرجات التي تصدر عن هذه المراكز. تتجلى هذه الفجوة بوضوح عند الانتقال من متابعة الأحداث الآنية إلى محاولة بحثها، تفكيكها وتأصيلها، حيث تتطلب مهارات ومنظورات أكبر مِما هو متاح في العمل الصحفي. فعند التعليق على أحداث آنية على وسائل الإعلام المختلفة، أو كتابة تحليل سريع أو تقدير موقف، لن يكون هناك فرقاً كبيراً بين ما سيقدمه الصحفي والباحث، بل قد يكون الصحفي أكثر كفاءة في هذا المقام بحكم ملازمته اللصيقة للأحداث. على عكس كتابة بحث، فعندما يُخوِّل الصحفي لنفسه التصدي لهذه المهمة، سنلاحظ بسهولة إن ما يُنتج في نهاية المطاف غالباً ما يكون "تقريراً صحفياً مطولاً" قد يتراوح بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، لكنه يفتقر إلى القيمة المضافة أو التراكم المعرفي؛ إذ يظل محبوساً في فلك الوصف السردي دون النفاذ إلى العمق التفسيري أو التنظيري. ولو قام باختصاره في صفحتين، لن يظهر خللاً أو اختلالاً في المحتوى، لأن بنية النص تفتقر أصلاً إلى الأركان الجوهرية للبحث العلمي، الأمر ينسحب أيضاً على طبيعة ومضمون المشاركات في الندوات والمؤتمرات العلمية التي تتطلب مقاربات تتجاوز مدارات التحليل الصحفي، ومنطق "القصة الخبرية" ومحشياتها. على العموم، سأحاول هنا الإشارة سريعاً إلى بعض الفروق الرئيسية بين العملين/الاشتغالين وكما يعرفها العالم، وبطريقة مختصرة/مختزلة وفيها تعسف بالطبع، لكن الفكرة هي أنه من يفهم هذه الفروق، سيستطيع أن يُميّز بسهولة ما يُنشر في وحول اليمن تحت عباءة "البحث". البحث العلمي يُعرَف البحث العلمي بوصفه عملية منظمة تهدف إلى بناء تراكم معرفي واكتشاف القوانين الكلية والمبادئ الحاكمة للظواهر، أو اختبار الفرضيات والنظريات القائمة. وتتحدد معالمه في النقاط التالية: الغاية: الإجابة عن سؤالي (كيف؟ ولماذا؟) بهدف صياغة مقاربات علمية قابلة للتعميم، ويمكن من خلالها دراسة بقية الظواهر المشابهة. المنهجية: الالتزام الصارم بخطوات البحث (المنهج، الملاحظة، صياغة الفروض، الاستقصاء الميداني، التحليل الإحصائي أو النوعي، والاستنتاج). الموثوقية: تتسم النتائج العلمية بقابلية التكرار؛ أي أن اتباع نفس المقدمات والشروط المنهجية ينبغي أن يؤدي حتماً إلى نفس النتائج، بمعنى أنه حتى لو أعاد باحث آخر نفس التجربة بنفس الظروف، ينبغي أن يصل إلى نفس النتائج. الرتم، اللغة والموضوعية:عملية بطيئة وتتطلب صبراً. يُصاغ البحث بلغة أكاديمية دقيقة تعتمد التعريفات الإجرائية، وضبط المفاهيم والمصطلحات، مع الالتزام التام بالأمانة العلمية في عرض الأدبيات السابقة والأطروحات الأخرى (المتوافقة والمناوئة) حول الظاهرة/الموضوع، وإعطائها المساحة الكافية لعرض نقاط قوتها، وعدم ممارسة الانتقائية أو الاجتزاء والاعتساف تجاهها، والالتزام بأكبر قد من الموضوعية عند تفكيكها ونقدها، وضبط أي انفعالات لحظية. التحليل الصحفي يقوم التحليل الصحفي في جوهره على وظيفة الإخبار والتفسير اللحظي، ومحاولة وضع الحدث في سياقه الزمني لتنوير الرأي العام. وتتمثل خصائصه في: الغاية: الإجابة عن أسئلة الساعة (ماذا حدث؟ ومن المستفيد؟) ضمن إطار زمني ضيق محكوم باللحظة الراهنة. المرونة المنهجية: لا يتقيد الصحفي بقوالب منهجية، بل يعتمد على مهارته الشخصية في الربط والاستنتاج وبناء السردية من مصادر متنوعة (شهود عيان، تقارير، مقابلات)، وهو ما يجعل النتائج تختلف من صحفي لآخر بناءً على زاوية الرؤية. الرقابة التحريرية: يخضع النص للمراجعة المهنية (التحريرية) التي تُركِز على دقة وصدقية المصادر وأخلاقيات النشر، وليس على التدقيق المنهجي أو الإحصائي. التحرر من شروط التأصيل: لا يلتزم المحلل الصحفي بتتبع الجذور التاريخية للظاهرة أو مناقشة وجهات النظر الأخرى، وإن حدث فيتم الإشارة إليها بشكلٍ سريعٍ ومختزلٍ وغير نسقي، ولا أحد يُحاسبه أو يناقشه حول ذلك، فهو غير مُطالبٌ بتقديم بناء نظري متماسك بقدر ما يُنتظر منه تقديم صورة آنية وسريعة للحدث. والله أعلم
1
1
640
أمين اليافعي retweeted
في معنى الدرب والطريق "الدرب: شريط من الأرض نمشي فوقه على الأقدام. الطريق شيء مختلف عن الدرب، ليس فقط لكونه يُقطَع بالسيارة، بل لكونه مجرد خط يربط نقطة بأخرى. ليس للطريق بذاته أي معنى. الشيء الوحيد الذي له معنى هو النقطتان اللتان يصل بينهما. الدرب تكريمٌ للمكان. كل جزء من الدرب له معنى ويدعونا للتوقف. الطريق إنقاصٌ مظفَّرٌ لقيمة المكان الذي لم يعد اليوم سوى إعاقة لتحركات الإنسان، أي إضاعة للوقت. اختفت الدروب من روح الإنسان حتى قبل أن تختفي من المنظر: لم يعد الإنسان يرغب بالسير في الدروب واستخلاص المتعة من ذلك. لم تعد حياته درباً أيضاً، بل طريقاً: خطاً يقود من نقطة إلى أُخرى، من رتبة نقيب إلى رتبة لواء، من زوجة إلى أرملة، تحوَّل وقتُ العيش إلى مجرد عقبةٍ يجب تجاوزها بسرعة متزايدة وباستمرار"
1
1
2
625
أمين اليافعي retweeted
محاولة لإعادة إثارة النقاشات والتحليلات حول التحولات الكبيرة في اليمن من أوسع أبوابها/تجلياتها تُشكل قراءة التحولات السياسية والاجتماعية في الدول التي تشهد صراعات مركبة وممتدة، كالحالة اليمنية، تحدياً بالغ التعقيد. ففي مثل هذه السياقات، تتشابك الأبعاد التاريخية العميقة مع البُنى الاجتماعية المتجذرة، والتحولات الأيديولوجية الراديكالية، فضلاً عن التقاطعات الجيوسياسية الإقليمية والدولية. وغالباً ما تنزع المقاربات الصحفية والتحليلات السريعة، كمقال الكاتب والصحفي اليمني أنور العنسي، إلى شخصنة الأحداث الكبرى، أي إعطاء اهتماماً كبيراً للأدوار الشخصية في تفسير الأحداث، مُحيلةً الانهيارات الهيكلية في بنية الدولة إلى مجموعة من السمات الفردية للقيادات السياسية، مثل "المكر"، أو "السذاجة"، أو "الثقة المفرطة". تبرز مثل هذه الشهادات الميدانية بوصفها وثائق إخبارية تمتلك قيمة توثيقية عالية بحكم اقترابها من دوائر صنع القرار ومواكبتها اللحظية للمشهد، حيث يستند العنسي إلى شبكة علاقاته الواسعة وتلقيه رسائل من دائرة صُناع القرار مباشرةً وقُبيل الساعات المصيرية التي أدت إلى مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح. غير أن هذه الشهادات، وعلى الرغم من أهميتها التوثيقية، لا ينبغي أن تُعْفَى من اشتراطات التحليل الرصين، بل هي ربما أحوج ما تكون إليها لتحريرها من نزعة القراءة الانطباعية المشحونة بدرجة ونوعية التفاعل مع الأشخاص الفاعلين، والتفسير الشخصي المُثخن بالمواقف والانحيازات والتوقعات المُسبقة، كما أنها تميلُ إلى التعامل مع التحولات التاريخية الحاسمة من نقطة نهايتها الانفجارية، متجاهلةً المنطق السياقي والشروط البنيوية والمحركات السوسيولوجية العميقة التي صاغت مسرح الأحداث على مدى عقود. إن اختزال تفسير التحولات السريعة والمعقدة في الأنظمة السياسية اليمنية في بُعد يبدو وكأنه مجرد "دراما بين القيادات السياسية" لا يُقدِّم صورة وافية عن جوهر وطبيعة هذه التحولات. وبما أن التحولات السريعة في الخارطة السياسية لم تكن تنجم عن تكوين الدولة أو التطور الداخلي لأجهزتها وإنما عن إعادة تحديد الولاءات، وكما ذهب أحد الباحثين مُحقّاً، تميل النخب السياسية في اليمن إلى أن تتشكّل في شبكة من التحالفات النفعية المؤقتة والمتحركة لضمان استمرارها في المشهد السياسي بكيف ما أمكن ولأطول زمنٍ ممكنٍ. ومع اختلاف أهداف وغايات كل مجموعة أو طرف من التحالف، تكون الغاية الوحيدة العاجلة - في الغالب الأعم - التخلُص من أحد الأطراف الفاعلة وفقاً لقاعدةٍ محليةٍ متينةٍ (نتغدى به قبل ما يتعشى بنا) باتت بمثابة قانون صارمٍ للانتخاب الطبيعي الذي يحكم تحولات الحالة السياسية اليمنية. وهذا النوع من التحالفات قد يجري سواء بين نخبة داخل حزب أو مكوّن معين ضد فريق داخل الحزب/المكوّن أو بين قوى مختلفة ضد طرف أو مكوّن آخر منافس. استخدم الأستاذ أنور العنسي في مقاله "علي عبد الله صالح... تحالف مع الحوثيين فقتلوه" وصفاً شائعاً لتحالف صالح مع الحوثيين (تحالف الضرورة)، وهو توصيفٌ دقيقٌ في حدوده اللغوية، لكن ما هو الاستثنائي في هذا النوع من التحالف في سياق تاريخ التحالفات بين القوى السياسية اليمنية حتى يمكن أن نتوقع منه نتيجةً مختلفةً لم يمنع استمرارها سوى "مكر اللحظات الأخيرة"، وكما يشي التحليل بصورة ضمنية؟ لقد أشار العنسي باختصار إلى الهدف المركزي من تحالف صالح مع الحوثيين (ضرب خصومه)، غير أنه اغفل هدف الطرف الآخر من التحالف: فالحوثيون أيضاً دخلوا هذا التحالف لغايات تختلف جوهرياً عن غايات صالح. لم يكن هذا تحالفاً بين طرفين مشتركين في المصير، متفقين على الأحداث والغايات، متساويين في الفهم، بل مجرد "أتفاق تصفية حسابات" مؤقت، يحاول كل طرف أن يقرأه ويُكيّفه ويوظفه على طريقته الخاصة، وفي الوقت الذي يناسبه. يتضح من المقال أن صالح أجرى حسابات بناها على ثقة مفرطة بقدرته على "احتواء" الحوثيين في أي لحظة، حين قال ما مفاده: "عندما خرجوا على الدولة تقاتلنا معهم، لكنهم اليوم قوة سياسية لا بد من التعامل معها". وإذا كانت هذه السياسة تُعبّر عن نهجٍ راسخٍ لدى صالح (الرقص على رؤوس الثعابين)، فهي تفترض مبدئياً بأن التعامل مع الحوثيين سيكون بوصفهم قوة سياسية عادية، مثلهم مثل بقيّة القوى، قابلة للاحتواء والتفاوض التقليديين، في حين أن طبيعتهم الأيديولوجية، وسعيهم الحثيث إلى استعادة مشروع الإمامة، يتنافى تماماً مع الرهان على قبولهم بحصة من السلطة. ولفهم أوسع لمصير هذا التحالف، ينبغي تحليل الغايات التي توخاها الحوثيون من "تحالف الضرورة المؤقت" هذا، والاستراتيجية التي أتبعوها. وقبل الشروع بذلك، لا بد من الاعتراف بأن الحوثيين انتهجوا سياسةً مرنةً ومبهمةً في البداية، خصوصاً في فترة ما بعد ٢٠١١، وهي الفترة التي وجدوا فيها الفرصة سانحة لإسقاط النظام السياسي والدولة برمتها. هذه المرونة المدروسة بعناية اتاحت لهم التحالف مع صالح في مرحلة ما دون التنازل عن مشروعهم الاستراتيجي. الحوثيون دخلوا التحالف وهم يملكون مشروعاً واضح في خطوطه الكبرى، بينما دخله صالح من موقع رجلٍ مشوشٍ، لديه الكثير من الأوهام والرهانات الخاطئة، وكل ما يريده هو الانتقام واسترداد النفوذ المفقود. هذا التفاوت في وضوح الرؤية والأهداف جعل الغلبة تؤول، وبشكلٍ تلقائيٍّ، إلى من قرأ المشهد من أوسع تجلياته، وعَمَل على الاستعداد لذلك على أكملٍ وجهٍ. راهن صالح، وكمل يُشير المقال، على ثلاثة عناصر: ما تبقى من الحرس الجمهوري، وطوق قبائل صنعاء، والتوهم بقدرته على استنفار الجماهير بخطابه الإعلامي في أي لحظةٍ. لكن هذه الرهانات الثلاثة لم تكن محسوبة بدقةٍ، ويمكن التحقق منها، مقارنةً باستعدادات الحوثي الميدانية، وجميع حسابات صالح كانت مبنية تقريباً على تضخمٍ مفرطٍ في التقديرات لدرجة حال دون بذل أي جهودٍ ميدانيةٍ ترتقي إلى مستويات الاستعداد المطلوبة لهذه اللحظة الحاسمة. يصف العنسي الحوثيين بـ"المكر"، وهو وصف يحمل الإدانة الأخلاقية أكثر مما يحمل تحليلاً سياسياً، كما يشي بتوقع الكاتب لموقف مغاير تماماً من الحوثيين. على أن ما فعله الحوثيون لم يكن مكراً بالمعنى الشخصي، لو أردنا تحليله بشكلٍ منهجيٍّ، بل كان تطبيقاً تلقائياً لاستراتيجية طويلة الأمد تقوم على تحويل حروب صعدة الست من خسارة إلى رأسمال رمزي وعسكري، ثم توظيف التحالف مع صالح لاختراق منظومة الدولة العميقة التي أنشأها، ثم ابتلاعها. والتحليل الموضوعي قد يقف على جوانب من الطريقة التي تم بها تجريد صالح من كل عناصر قوته. ١. لقد استخدم الحوثيون التحالف مع صالح وسيلةً للوصول إلى شبكات الرعاية الرسمية وغير الرسمية، والعصب القبلية المهيمنة، والقوات العسكرية والأمنية المتبقية. لم يكن الحوثيون يراهنون على التحالف مع صالح بوصفه شراكةً سياسيةً، بل بوصفه جسراً سريعاً واسعاً وعابراً نحو هدفهم الرئيسي (السيطرة على الدولة). وهذا بالضبط ما لم يستطع صالح رؤيته أو لم يرد رؤيته. فالحوثيون، وبمجرد دخولهم المؤسسات الرسمية، شرعوا على الفور في إعادة هيكلتها من الداخل، لا بالقوة الصريحة وحدها، بل بالاستبدال التدريجي لمنطق الولاء. ٢. كان رهان صالح على "الطوق القبلي" رهاناً فاشلاً بامتياز، وهو ما يعكس التناقض الصارخ في إرثه السياسي والقبلي. فقد توقع صالح من القبيلة أن تهب لنجدته وتقف معه كقوة وطنية أو عصبية مستقلة للدفاع عن زعامته. لكن القبائل التي راهن عليها صالح كانت تحمل موقفاً مشوشاً للغاية: سنوات من إهمال الدولة، ومن خطاب سياسي نخبوي يعتبرها أم كل المشاكل في مسألة عدم بناء الدولة – وليس بسبب فساد الطبقة السياسية، ومن علاقة براغماتية مع مشائخ انفصلوا عن قواعدهم وارتضوا القبول بأدوار الوساطة النفعية والأداة الزبائنية للنظام. الحوثيون، في المقابل، نجحوا في إعادة هندسة الفضاء القبلي، عن طريق تجاوز شيوخ القبائل التقليديين والتوجه مباشرةً إلى مخاطبة القواعد الشعبية للقبائل. استخدم الحوثيون لغة أيديولوجية وعاطفية - من المنظور القبلي - تعتمد على المظلومية التاريخية، والدفاع عن الكرامة والعرض ضد "العدوان الخارجي"، وحقوق الشهداء، ومكافحة الفاسدين...إلخ. لقد عكس هذا الجمع بين لغتين أو هويتين بدتا متناقضتين في خطاب صالح أزمة هوية سياسية أعمق: صالح لم يكن جمهورياً حقيقياً حين يلزم الأمر، ولم يكن شيخ قبيلة حقيقياً حين يُراد ذلك. كان لاعباً مراوغاً يُجيد توظيف اللغتين أيام الرخاء، لكنه أثبت افتقاره إلى قاعدةٍ صلبةٍ يُستَنَد إليها حين جاءت لحظات الاختبار الحقيقية. بينما كان الحوثيون يملكون، على خلافاته الداخلية بين جناحيه "الأصولي الصعدي" و"البراغماتي الصنعاوي"، خيطاً أيديولوجياً واحداً يربط مشروعهم: إحياء الزيدية في مواجهة الدولة الجمهورية الهجينة والمترهلة والتهديدات الخارجية (من خارج الفضاء الزيدي، ومن خارج الحدود اليمنية). هذا الخيط كان يُقدِّم لهم وضوحاً في الأهداف حتى في أحلك الصراعات الداخلية، بينما كان صالح يفتقر إلى ما يُعادل هذا الوضوح. ٣. الأكثر دلالة في المشهد الأخير، هو الغياب الكبير للاستجابة الجماهيرية. فقد واجهت خطابات صالح التلفزيونية الحماسية عبر قناته "اليمن اليوم"، والتي دعا فيها للانتفاضة والدفاع عن "الثورة والجمهورية والوحدة"، صمتاً مطبقاً ولا مبالاة من الشارع اليمني. ويمكن القول بأن الحوثيين قد عملوا بكل السُبل لمنع الجماهير من الخروج وعدم تكرار ما حدث في نهاية شهر أغسطس عندما تجمّع مناصرون كُثر لصالح في ميدان السبعين الشهير. ومع ذلك، هذا لا يكفي لتفسير الغياب اللافت لأي استجابة شعبية جريئة وشجاعة، وكما كان مُتوقع. ولعل أبرز الأسباب التي تُفسِّر هذا الغياب – وهو موضوعٌ بحاجةٍ إلى تحليلٍ أعمق – هو ما يمكن تسميته بـ"الإرهاق الأخلاقي" الذي أصاب الناس العاديين (من غير المقاتلين) بعد سنوات من الحروب والتدهور المعيشي؛ إذ نُظِر إلى الصراع الأخير بين صالح والحوثيين على أنه مجرد جولة جديدة من تصفية الحسابات الدامية بين نخبٍ فاسدٍة أهلكت البلاد، ولم ترَ الجماهير المنهكة في دعوات صالح لـ "إنقاذ الجمهورية" قضيةً نبيلةً تستحق التضحية والدماء، بل مجرد أصداء فارغة للغة سياسية فقدت مصداقيتها تماماً. هذا التمزق المجتمعي العميق واللامبالاة الجمعية كان نتاجاً مباشراً لعقود من السياسات الفاسدة، الأمر الذي استغله الحوثيون لحسم المعركة بأقل قدر من المقاومة الشعبية. إجمالاً، يمكن القول بأن رهان صالح الذي يُفترض أن يُمثِّل "أجهزة الدولة العميقة" كان قائماً على افتراض بأن غاية جميع الفاعلين السياسيين الحصول على حصة في السلطة، لا الاستحواذ الكلي عليها. لم يُرِد صالح أن يفهم، ولم يستطع أن يُعالج إمكانية أن يكون الحوثيون فاعلاً مختلفاً تماماً لديه رغبة جارفة باستبدال منظومة الحكم كلياً لا مجرد إضافة نفسه إليها. يبقى مقال الأستاذ أنور العنسي وثيقةً إخباريةً قيّمةً، وشهادةً ميدانيةً لا يُستهان بها. غير أن قيمته التحليلية تنخفض درجات حين يختار الاتكاء على خطوط التماس في العلاقات مع الفاعلين على حساب التحليل الموضوعي والشامل: فمكر الحوثيين بدلاً من تحليل أبعاد استراتيجيتهم لصالح تحقيق هدفهم المركزي، وغرور صالح عوضاً عن قراءة حدود منطق الدولة العميقة حين يواجه حركة تريد تفكيكها كلياً. والحقيقة أن هذا التحالف كان محكوماً بالانفجار منذ لحظته الأولى، لا لأن الحوثيين "ماكرون" فحسب، بل لأن الطرفين دخلاه بمنطقين مختلفين كلياً لا يمكن التوفيق بينهما: صالح يراهن على إعادة إنتاج توازن القوى القديم بعناصر جديدة، والحوثيون يُهيئون استيلاءً شاملاً على منظومة القوى ذاتها. حين التقى هذان المنطقان، لم يكن ثمة مكان لصالح بعد أن استنفد دوره كلياً كجسر انتقالي عابر. @anwaryem @AlMajallaAR @ibrahimhamidi @hitani
📌 كواليس الأيام الأخيرة للرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، والرهانات السياسية التي قادته إلى مقتله في ديسمبر/كانون الأول 2017. 🔎 ما الأسباب التي دفعته إلى التقارب مع جماعة #الحوثيين؟ ▶️ شاهد فيديو #المجلة 🔗التفاصيل كاملة في مقال أنور العنسي @anwaryem عبر الرابط 👇 majalla.com/node/331354
2
3
5,505
أمين اليافعي retweeted
لما جهة تتربص بك أيّما تربص، بينما أنت تعطيها الذرائع والأدلة الواحد تلو الأخر، وبسخاء شَرِه قل نظيره... سيكون الإجابة بـ"نعم" عن السؤال "هل تعمل أنت مع/تخدم هذه الجهة؟" مشروعاً تماماً... فلماذا لم يكفِ عقدٌ كاملٌ من الزمان حتى تفهم هذه الابجديات، وتستمر في خدمة خصومك بكل سخاء!
1
4
930
أمين اليافعي retweeted
Replying to @DrThabitAhmadi
مرحبا دكتور ثابت، وأشكرك على الإطراء. ولا أعرف لماذا لم يظهر تعليقك هذا عندي في الإشعارات. الحرص على التمييز بين العلم والرأي في اليمن مهم جداً، ولولا أن الأستاذ نبيل استعان بالدكتور محمد عبدالقادر بافقيه، لما كان كتبتُ أي تعليق، باعتبار كلامه رأياً خاصاً. ولا مشكلة أن يقول السياسي أو الصحفي أو أي أحد من دعاة القومية بأن هويته أو حضارته تمتد حتى لمائة ألف عام، فما هو معروف في الأوساط العلمية بأن دعاة القومية - في كل مكان - يميلون إلى الحديث عن تاريخهم وكأنه وحدة واحدة، ثابتة ومتماسكة. البحث العلمي مختلف تماما، وأهم خاصيتين فيه: - التشديد على الفصل بين الذاتي والموضوعي ومواجهة الحقائق المزعجة لقناعات الباحث وبشجاعة. - العلم لا يمنح حقائق دائمة، بل مؤقتة، لهذا أبرز مقولتين عن العلم هما: "العلم هو تاريخ تصحيح الأخطاء"، أي أخطائه، "والعلم الحق هو الذي يكون لديه قابلية للتفنيد". وهاتان الفكرتان تمنحان العلم قوة وصلابة استثنائية في مواجهة القصور البشري، والتغيّرات الزمنية والمكانية، وظهور تقنيات جديدة أكثر دقة تؤدي إلى اكتشافات لم يكن من الممكن الحصول عليها في السابق، تصحيح اخطائه وسلبياته وقصوره... تحياتي
1
2
347
أمين اليافعي retweeted
Replying to @DrThabitAhmadi
مرحبا أستاذ ثابت عندما يتحدث باحثٌ بثقة في مقدمته عن الهوية الثقافية الواحدة، بينما كل الأدلة الأصلية التي يوردها بنفسه تُشير إلى حروبٍ ضاريةٍ وذبحٍ بناء على اختلاف الهويات الثقافية (القبلية، المناطقية، الدينية..)، ولم يُعالج ذلك نقدياً، عليك أن تعرف بأن تأثيرات ذاتية تسللت بقوة إلى وجهات نظر الباحث، بقصدٍ أو بدونه، وأبعدته عن جادة الموضوعية العلمية الصارمة.. ولأن مستوى النقاشات المنهجية في اليمن متدنٍ، يعتقد كثيرون بأن مثل هذه الأفكار يمكن أن تَمُر بسهولة حتى وإن دُثِرث بثيابٍ وطنيةٍ فاخرةٍ بينما هي في الواقع لا تنتج معرفة حقيقية، بل تعمل على تبرير مآسي الماضي. والفكرة تُشبه تماماً أن يأتي أحد الباحثين بعد ألف أو ألفين عام، ويُجادل بأن الحركة الحوثية حركة قومية وطنية يمنية أصيلة مستنداً على خطابات مراوغة وزائفة أو مواقفها من التدخلات الخارجية ودون أن يعرف ناس ذلك العصر شروط عصرنا، وكيف سخّرت في الحقيقة الحركة الحوثية كل الموارد، المادية والمعنوية، لضرب الهوية الوطنية. لهذا فإحدى المهام الأساسية للبحث العلمي التدقيق والتمحيص واختبار الفرضيات والاستنتاجات...
1
298