قبل ٣ سنين، حولت بالغلط ٢٠ ألف لحساب أبو سعد، مشرف الخدمات في شركتنا
انتبهت بعد ساعة، وقلبي طاح
وقبل لا أدق عليه، وصلني إشعار من البنك:
المبلغ رجع، كامل
وثاني يوم، جا لمكتبي، وقال بهدوء:
"يا ولدي، انتبه وأنت تحول، لو كان غيري، يمكن ما رجعه"
حبيت أشكره، فرحت له بيته مع هدية بسيطة
وأول ما دخلت المجلس، انصدمت ...
رفوف مليانة كتب عن الاستثمار والادخار
ودفاتر مرتبة، فيها حسابات وأرقام من سنين
وعلى الطاولة، لابتوب مفتوح على صفحة محفظة استثمار
ضحك لما شاف وجهي، وقال:
"لا تستغرب، كل الناس في الشركة يحسبوني بس أشرف على القهوة والنظافة"
وقعد ساعتين، يشرح لي:
"أنا من ٢٢ سنة، كل شهر أحط جزء من راتبي، حتى لو قليل، في استثمار طويل، وما ألمسه
ما أدور أرباح سريعة، ولا أصدق اللي يقول: بضاعفها لك في شهور
الصبر، والاستمرار، هم السر"
وسألني: "أنت كم تحوش بالشهر؟"
قلت: "ولا شي، الراتب يخلص قبل آخر الشهر"
قال: "ابدأ بـ ٥٠٠، بس لا توقف"
ومن يومها، صرت كل شهر أحط ٥٠٠، وبعدين ١٠٠٠
وبعد ٣ سنين، صار عندي مبلغ، عمري ما تخيلت إني بجمعه
مو لأنه تضاعف فجأة، بل لأني ما وقفت
وأبو سعد؟
عرفت بعدين إن عنده بيتين مؤجرة، ومصاريف ولده اللي بالجامعة كلها منه
وللحين، كل صبح، يمر على مكتبي، ويسألني:
"حطيت الـ ١٠٠٠ هالشهر؟"
والموظفين في الشركة، للحين يحسبونه "بس مشرف خدمات"
ما تدري... يمكن أكثر واحد يعرف في الفلوس في المكان، هو اللي ما أحد يلتفت له
توفت زوجتي
جلطة في القلب، فجأة، وهي عمرها ٣١ سنة
الصبح كانت تضحك معي على الفطور، والعصر... كانت في المستشفى، وما رجعت
ثالث يوم العزاء، كنت قاعد في المجلس، والناس تعزي، وأنا مو حاس بأحد
وفجأة، جوالي اهتز
طالعت الشاشة...
واسم زوجتي هو اللي طالع
فتحت الرسالة، وكانت جملة وحدة:
"لا تصدق أي أحد يقول إني ما كنت أدري"
يدي بدت ترجف
قمت من المجلس، ودخلت الغرفة، ورديت:
"مين أنت؟"
وجاني الرد بعد ثواني:
"افتح الدرج الثاني في دولابها... تحت الملابس"
ورحت، وأنا ما أحس برجولي
فتحت الدرج، ورفعت الملابس
ولقيت ظرف كبير، مكتوب عليه بخطها: "لحبيبي"
وداخله، ملف طبي
تقرير من مستشفى، قبل سنة وشهرين
"ضعف في عضلة القلب، والحالة تحتاج متابعة دقيقة"
ومعه ورقة بخطها مكتوب فيها :
"أدري إنك الحين زعلان إني خبيت عليك
بس يوم قال لي الدكتور، كنا توه متزوجين، وكنت أشوفك مستانس
وما بغيت آخر أيامي معك، تكون خوف ومستشفيات ونظرات شفقة
كنت أبي أعيش معك سنة حلوة، وعشتها"
وقفت مكاني، وما قدرت أتنفس
تذكرت كل مرة كانت تقول: "بروح لأختي شوي"
وكل مرة كانت تتعب، وتضحك وتقول:
"كبرت"
وكل مرة كنت أقول لها: "روحي للدكتور"، وتقول: "رحت، وقال كل شي تمام"
ورجعت للجوال، وكتبت:
"مين اللي معه جوالها؟"
وجاني الرد:
"أنا أختها... سامحني
قبل شهرين، عطتني جوالها، وقالت: إذا صار لي شي، اتركه يومين، وثالث يوم أرسل له هالرسايل، وقل له وين الظرف
وقالت لي: لا تخلينه يزعل علي"
وآخر رسالة وصلتني منها، كانت رسالة صوتية
مسجلتها زوجتي بنفسها، قبل شهرين:
"لا تزعل مني... وكل يوم، كل الفطور اللي كنا ناكله سوا، ولا تهمل نفسك عشاني
وإذا ضحكت يوم، اضحك من قلبك... أنا بكون مبسوطة"
ومن يومها، كل صبح، أسوي نفس الفطور اللي كنا ناكله
وأسمع الرسالة... وأحاول أضحك
صراحة، لو كنتوا مكانها، كنتوا بتخبون مرضكم عن اللي تحبونه؟ ولا تقولون له من أول يوم؟
ولو كنتوا مكاني، كنتوا بتزعلون إنها خبت؟ ولا تفهمون ليش سوت كذا؟
٢٠٢١: "تقييمك ممتاز... بس الميزانية ما تسمح بزيادة"
٢٠٢٢: "تقييمك ممتاز... بس الوضع الاقتصادي صعب"
٢٠٢٣: "تقييمك ممتاز... السنة الجاية إن شاء الله"
٢٠٢٤: "تقييمك ممتاز... اصبر شوي، الشركة تمر بظروف"
٢٠٢٥: "تقييمك ممتاز... أنت من أهم الناس عندنا"
٢٠٢٦:
"لو سمحت أقبل استقالتي."
المدير: "ليش؟ أنت من أهم الناس عندنا!
"«معليش، ما أقدر أقعد أكثر من كذا.»
بعد شهر :
بعد شهر، وأنا أقلب في لينكدإن، طلع لي إعلان وظيفة
نفس مسماي القديم
نفس الشركة
والمطلوب: "خبرة ٥ سنين في نفس المجال"
يعني يدورون واحد... مثلي بالضبط
وتحت، مكتوب الراتب:
ضعف راتبي اللي كنت آخذه
الميزانية اللي "ما تسمح" ٥ سنين...
طلعت تسمح، بس لغيري
وبعد أسبوعين، عرفت مين توظف
موظف جديد، أنا اللي كنت أدربه
وأول يوم له، أرسل لي رسالة:
"والله ما كنت أدري إنهم كانوا يعطونك نص اللي يعطوني"
درس للمدراء:
الفلوس اللي توفرها على موظفك الشاطر اليوم
بتدفع ضعفها بكرة، على واحد يحاول يسد مكانه
صراحة، قد قالوا لكم "الميزانية ما تسمح"، وبعدها وظفوا غيركم بأكثر؟
وكم سنة تقدرون تصبرون على "تقييمك ممتاز" بدون زيادة؟ 😅
الإجازة السنوية في ٢٠٠٥:
- تقدم ورقة الإجازة
- تسكر جوالك النوكيا
- وتسافر
- ولا أحد يقدر يوصلك لين ترجع
الإجازة السنوية في ٢٠٢٦ ↓
- تحط رد آلي على الإيميل: "في إجازة، وما راح أرد"
- تسلم مهامك، وتكتب لزميلك ٣ صفحات شرح
- تكتم قروب الدوام
- وترجع تفتحه في المطار، "بس أتطمن"
- ترد على "سؤال سريع، دقيقة بس" وأنت في الطيارة
- تحضر اجتماع أونلاين، والكاميرا مطفية، والموج وراك
- تصور البحر، وما تنزل الصورة، عشان مديرك لا يشوفها
- وآخر يوم، ترتب جدول أول يوم دوام، وأنت على البحر
- وترجع من الإجازة... تعبان أكثر من قبلها
أخوي راتبه ثلاث أضعاف راتبي، ومن ٦ سنين ما رضى يسلفني ولا مرة.
ولما انفصلت من شغلي، ودقيت عليه أطلب ٤٠٠٠ أسدد فيها الإيجار، قال بكل بساطة: "والله ما أقدر".
بعدها بأسبوعين، وقف قدام بيت أبوي... بسيارة جديدة.
ومن ذاك اليوم، قطعته.
وفي يوم جمعة، أبوي عزمنا كلنا على الغدا، وأصر إن الكل يحضر. قعدنا على نفس السفرة، وكل واحد فينا يتجنب عيون الثاني.
وبعد الغدا، ما قدرت أمسك نفسي، وقلت قدام الكل:
"كيف تقدر تشتري سيارة بهالسعر، وأخوك بيطلع من بيته؟"
ما رد.
طلع جواله بهدوء، وفتح تطبيق البنك ووراني شيء ما توقعته :
"لأني لما ضاقت علي، سددت جزء من الديون، من الفلوس اللي جدك الله يرحمه تركها لك عندي، عشان زواجك
وأخوك يرجعها لك شهر بشهر، عشان يوم تحتاجها، تلقاها"
حسيت الأرض تتحرك تحتي.
فلوس جدي... كنت ناسي إنها موجودة أصلاً.
التفت على أخوي، وقال قبل لا أسأل:
"الشهر اللي طلبت فيه الـ ٤٠٠٠، كان علي قسط كبير من ديون أبوي، وما كان معي شي
بس كان المفروض أقول لك"
"والسيارة؟"
"سيارة الشركة، مو حقي"
طلبت أشوف كل الأوراق، وقعدنا لين نص الليل، نقلب في ديون وتحويلات، وقرارات انحسمت عني، وأنا ما أدري.
وما انحل كل شي ذيك الليلة.
أخوي كان شايل في قلبه، لأنه حمل الديون لحاله سنين.
وأنا كنت شايل في قلبي، لأنهم خبوا عني كل شي.
بس اتفقنا: من اليوم، نسدد سوا.
وعند الباب، قلت لأخوي:
"كنت أحسبك ما يهمك وش يصير لي"
ابتسم ابتسامة تعبانة، وقال:
"وأنا كنت خايف، لو عرفت، تزعل على أبوي، وتقاطعه هو بعد"
وسكتنا شوي، وبعدها قال:
"يبان إننا الاثنين، قعدنا ٦ سنين نظن ونفترض... وما أحد فينا سأل"
صراحة، لو كنتوا مكاني، تعتبون على أبوكم إنه خبى؟ ولا على أخوكم إنه سكت؟
وصلني اتصال من جارة أمي، الساعة ١٠ بالليل:
"تعال بسرعة، أمك طاحت في المطبخ، ولقيناها بعد ساعتين من صوتها"
قلت وأنا أركض للسيارة:
"وين العاملة؟ المفروض معها ليل ونهار!"
سكتت الجارة، وبعدها قالت:
"أي عاملة؟ أمك لحالها من شهور"
أمي عمرها ٧٤، وساكنة لحالها بعد وفاة أبوي
وأنا ساكن في مدينة ثانية بسبب شغلي
وأخوي الصغير ساكن قريب منها، فاتفقنا:
أنا أدفع راتب عاملة تقعد معها، وأخوي يتابع ويحول لها راتبها كل شهر
من سنتين، وأنا أحول له المبلغ، في نفس اليوم، بدون ما أتأخر شهر
وصلت المستشفى، وأمي على السرير، ويدها مجبسة
مسكت يدها الثانية، وسألتها بهدوء:
"يمه، وين العاملة؟"
سكتت شوي وقالت :
"راحت من ٨ شهور، أخوك قال إنك قطعت راتبها، وإنك ما عاد تقدر تدفع"
"وقال لي لا تكلمينه، عشان ما تحرجينه"
حسيت الدم وقف في راسي
٨ شهور، وأنا أحول، وأمي لحالها
وتشيل نفسها، وتطبخ، وتنظف، وهي ما تقدر توقف ربع ساعة
وساكتة، عشان ما "تحرجني"
فتحت تطبيق البنك قدام أمي، وطلعت كل التحويلات
كل شهر، نفس المبلغ، لحساب أخوي
وآخر تحويل، قبل أسبوع
اتصلت على أخوي، وحطيته على السماعة
وأول ما سمع صوتي، عرف
ما أنكر
بس قال:
"كنت ناوي أرجعها، عندي ديون، وقلت أمي مرتاحة لحالها، وما تحتاج عاملة"
مرتاحة؟
أمي اللي لقوها على أرض المطبخ، بعد ساعتين؟
وأكثر شي كسرني، مو الفلوس
أكثر شي كسرني، لما قالت أمي وهي تبكي:
"لا تزعل عليه يا ولدي، أخوك محتاج... وأنا أقدر أدبر نفسي"
حتى وهي على سرير المستشفى، تدافع عنه
اليوم، جبت عاملة جديدة، وصرت أحول لها راتبها بنفسي
وأتصل على أمي كل يوم، فيديو، عشان أشوفها بعيني
وأخوي؟ للحين ما رديت عليه
صراحة، لو كنتوا مكاني، تسامحون أخوكم عشان خاطر أمكم؟ ولا فيه أشياء ما تنغفر، حتى من أقرب الناس؟
سلفت صاحبي سيارتي يومين، عشان سيارته في الصيانة
ورجعها لي، والباب الخلفي مصدوم
قال: "واحد صدمني عند الإشارة، وتراضينا، وعطاني هالمبلغ"
وعطاني ٨٠٠
قلت: "تمام، بوديها الورشة وأشوف"
رحت للورشة، وقالوا:
"الباب يبي سمكرة وبوية، التصليح ٢٠٠٠"
يعني المبلغ ما غطى حتى النص
رجعت لصاحبي، وقلت:
"الـ ٨٠٠ ما تكفي، التصليح ٢٠٠٠، وأبيك تكمل الباقي"
قال: "أنا؟ ليش؟ أنا ما صدمتها، هو اللي صدمني"
قلت: "بس السيارة كانت معك، وأنت اللي تراضيت معه على هالمبلغ"
قال: "وهذا اللي رضى يدفعه، وش أسوي؟"
قلت: "كان المفروض ما ترضى قبل لا تعرف كم التصليح"
قال: "يا رجال، احمد ربك إنه دفع أصلاً، غيره كان هرب"
قلت: "يعني أنا اللي ما سويت شي، أدفع ١٢٠٠ من جيبي؟"
قبل شهر، قابلت متقدم لوظيفة مدير
دخل المقابلة واثق، ولبقة، وكلامه مرتب
ولما سألته عن خبرته، قال بدون تردد:
"كنت مدير قسم، وتحتي ١٢ موظف"
وأقنعنا
وبعد أسبوع، أرسلنا له العرض بمسمى "مدير"، وبراتب قريب جداً من اللي طلبه
وأرسل لي رسالة، أذكرها للحين:
"أخيراً لقيت مكان يعرف قيمتي"
بس بعدها بأسبوع، وصلتني منه ورقة
ورقة عادية جداً، نطلبها من كل موظف قبل المباشرة
وأول ما فتحتها... عرفت إن العرض انتهى.
كانت شهادة الخبرة من شركته السابقة
والمسمى المكتوب فيها: "أخصائي أول"
لا قسم، ولا مدير، ولا ١٢ موظف
اتصلت عليه، وسألته بهدوء:
"شهادة الخبرة مكتوب فيها أخصائي أول، تقدر توضح لي؟"
سكت ثواني، وقال:
"كنت أسوي شغل مدير، بس المسمى ما تغير"
قلت: "والـ ١٢ موظف؟"
قال: "كنت أساعدهم، وأوزع عليهم الشغل أحياناً"
قلت: "طيب، ليش ما قلتها كذا في المقابلة؟"
وسكت
وما جاني جواب، لين سكرنا الخط
وبعد يومين، ألغينا العرض
وأبي أوضح شي:
ما رفضناه عشان كان أخصائي
رفضناه عشان قال إنه مدير
لو جلس قدامي، وقال:
"أنا أخصائي أول، بس أشيل شغل أكبر من مسماي، وأبي فرصة أثبت إني أقدر أكون مدير"
كان ممكن أعطيه وظيفة أقل بدرجة، مع خطة ترقية واضحة
ونص المدراء اللي عندنا اليوم، بدوا بنفس الطريقة
كذبة وحدة صغيرة، كلفته الوظيفة كلها
لأن في التوظيف، المسمى ما يهم، والراتب ما يهم
اللي يهم فعلاً، سؤال واحد بس:
"نقدر نثق فيه؟"
صراحة، تشوفون إن تكبير المسمى في المقابلة كذب؟ ولا "تسويق للنفس" والكل يسويه؟
ولو كنتوا مكاني، كنتوا بتلغون العرض؟ ولا تعطونه فرصة، ما دام كان يشيل شغل مدير فعلاً؟
