التقديرات السكانية حسب الفئات العمرية share.google/GoSfYpbR5AfQ32O…
الأخلاق بين ترفع ومثالية كانط وواقعية وتفاصيل دستويفيسكي
من المسائل التي تستحق التأمل في فلسفة الأخلاق: هل يكفي أن يعرف الإنسان الخير والشر حتى يكون إنسانا صالحا؟ كانط وهو من أعظم من كتب في الأخلاق أراد أن يؤسسها على العقل والواجب بعيدا عن العواطف والميول، لأن العواطف متقلبة، فقد تحب إنسانا اليوم وتبغضه غدا، ولا يعقل أن يكون واجبك الأخلاقي تجاهه تابعا لهذا التقلب. أما دستيوفيسكي فقد تناول المسألة من جهة مختلفة تماما، وهي أن الإنسان ليس عقلا مجردا حتى تفسر أفعاله بمعرفة الصواب والخطأ، وإنما هو عقل وقلب وشهوات ومخاوف وتناقضات لا تنتهي، ومن أمتع ما وقفت عليه في هذا الباب تصويره لراسكولنيكوف في «الجريمة والعقاب»، فهذا الرجل استطاع أن يصنع لنفسه تبريرا عقليا لجريمته، لكنه بعدما ارتكبها لم يستطع أن يقنع نفسه بما اقتنع به عقله، وصار قلبه يخفق بعنف ويختنق ويضطرب حتى كأن جسده كله يعترض على الجريمة. لاحظ أن الرجل لم يُهزم في مناظرة ولم يأت أحد يفند مقدماته ونتائجه، وإنما جاءه الاعتراض من داخله، من ذلك الشيء الذي نسميه الضمير. وفي «الإخوة كارامازوف» تجد إيفان الذي يكاد يكون التجسيد الروائي للعقل المعترض يقول: «أريد أن أعيش، وأنا أعيش، حتى لو كان ذلك ضد المنطق»، وهو كلام عجيب من شخصية قضت وقتها في محاكمة العالم عقليا ثم تعترف أن تعلقها بالحياة لا يخضع بالضرورة لهذه المحاكمة. وفي مقابل إيفان تجد أليوشا الذي يقدم الحب بوصفه طريقا إلى إدراك الحياة ومعناها، حتى إن دستيوفيسكي يصور تعلقه بالأرض والطبيعة والبشر بطريقة لا تكاد تجد لها نظيرا عند الفلاسفة الذين يبحثون في الأخلاق باستعمال القضايا والبراهين. والذي يعجبني في هذه المقارنة أن دستيوفيسكي لم يحتج إلى تأليف نظرية أخلاقية مضادة لكانط، بل صنع شخصيات يضعها في ظروف لا تنفع معها الإجابات السهلة، فتجد القاتل يعرف قبح القتل، والكاذب يعرف فضيلة الصدق، والإنسان قد يكون أقدر الناس على تقرير الواجبات وأعجزهم عن العمل بها. ولا يعني هذا أن كانط غفل عن الفارق بين معرفة الواجب والعمل به، أو أن دستيوفيسكي أثبت بطلان الأخلاق العقلية، لكن الفرق بينهما في طريقة النظر إلى الإنسان، فالأول يبحث عن المعيار الذي ينبغي أن يحكم أفعاله، والثاني يغوص في النفس ليكشف لك لماذا يخالف الإنسان ما يعرف أنه ينبغي عليه فعله. وأزعم أن كثيرا من النقاشات الأخلاقية تفوتها هذه المسألة، فليس كل من أحسن الكلام في الفضيلة فاضلا، ولا كل من عجز عن التعبير عنها خاليا منها، وقد تجد في إنسان بسيط من الرحمة والنبل ما لا تجده عند رجل حفظ كتب الأخلاق كلها، وهذه في نظري من أعوص مشكلات الأخلاق، أن المسافة بين معرفة الخير وإرادته والعمل به قد تكون أبعد بكثير مما نتصور.
هل يمكن أن تكون فكرة الموجود الكامل مجرد تركيب ذهني صنعه الإنسان من الكمالات التي يعرفها؟ هذا من الإشكالات التي يتوقف عندها فؤاد مليت في عرضه لدليل الآثار عند ديكارت، فالأخير يقرر في التأمل الثالث أن الإنسان وإن كان يستطيع تكوين أفكار كثيرة من معارفه السابقة، إلا أن فكرة الموجود اللامتناهي لا يمكن تفسيرها عنده بالطريقة نفسها، ووجه ذلك أنني أدرك نفسي موجودا متناهيا أشك وأجهل وأفتقر إلى كمالات لا أملكها، لكنني أجد في ذهني فكرة موجود لا يتصف بهذه النقائص، وهنا يقرر ديكارت أن إدراكي للنقص يفترض إدراكا سابقا للكمال الذي أقيس إليه نقصي فالعلاقة هنا علاقة تضايف مثل تضمن إدراك الأبوة إدراك البنوة والعكس ومثل استلزام إدراك التيامن إدراك التياسر، فلا تكون فكرة اللامتناهي مجرد نتيجة لنفي الحدود عن المتناهي، بل إن معرفة المتناهي نفسها تتوقف من هذه الجهة على فكرة اللامتناهي. ثم ينتقل إلى مبدأ العلية، وهو أن العلة ينبغي أن تتضمن من الكمال ما يكفي لتفسير معلولها، فكيف تكون الذات الناقصة علة كافية لفكرة تتضمن من الكمال ما يتجاوز حقيقتها؟ لكن موضع النزاع هنا أن امتلاك فكرة عن الكمال لا يساوي امتلاك الكمال نفسه، ولذلك احتاج ديكارت إلى التمييز بين وجود الفكرة في الذهن وبين الحقيقة التي تمثلها، وإلى إثبات أن ما تتضمنه الفكرة من حقيقة موضوعية يحتاج إلى علة متناسبة معه. ومن هنا لا يصح اختزال برهانه في القول إن الإنسان يتصور الله، إذن الله موجود، لأن هذا أقرب إلى صورة أخرى من الدليل، أما برهان التأمل الثالث فيقوم على دعوى أن فكرة الموجود اللامتناهي لا يمكن تفسيرها تفسيرا كافيا بالرجوع إلى الذات المتناهية وحدها. ويبقى الإلزام هل يلزم من تفاوت الأفكار في مضمونها أن تتفاوت عللها على النحو الذي يقرره ديكارت، أم يمكن تفسير مضمون الفكرة بعمليات العقل دون افتراض وجود موضوعها خارج الذهن؟
غيث 🪶 retweeted
إن كنت مهتمًا بالفلسفة، فأنصحك بمتابعة غيث، فهو من أعمق من عرفت اهتمامًا بها، وتعلمت منه الكثير.
وفي قناته على تيليقرام أكثر من 330 كتابًا، من الفلسفة كحكمة الإشراق وملا صدرا، إلى فلسفة اللغة وتشومسكي، وديكارت وبوبر. وهذا رابطها:
t.me/gaith7meedyahya
من الأخطاء التي يشير إليها الفيلسوف لاري لودان في نقده لفلسفة العلم المعاصرة الخلط بين عقلانية الحكم العلمي وإمكان تحويله إلى خوارزمية من القواعد المحددة التي تفضي بالضرورة إلى نتيجة واحدة، وهي مسألة لها جذورها في التصور الوضعي لطبيعة المنهج العلمي، فقد افترض بعض فلاسفة العلم أن موضوعية الاختيار بين النظريات تستلزم وجود قواعد دقيقة إذا طبقها عالمان على الأدلة نفسها انتهيا بالضرورة إلى الحكم نفسه، كأن العقلانية عملية حسابية لا تختلف من حيث صورتها عن إجراء العمليات الرياضية.
والمشكلة أن هذا الافتراض انتقل إلى بعض منتقدي الوضعية أنفسهم، فحين جاء توماس كون وغيره وأظهروا أن العلماء قد يتفقون على المعايير العامة لاختيار النظريات، كالدقة والبساطة والاتساق والقدرة التفسيرية، ثم يختلفون في تطبيقها أو ترتيب أهميتها، اتخذ بعض الاتجاهات النسبوية من ذلك دليلا على أن الاختيار العلمي لا تحسمه العقلانية الموضوعية، وأن عوامل التاريخ والتنشئة والانتماء إلى الجماعة العلمية تتدخل في تقرير ما يعده العالم نظرية مقبولة.
وهنا يأتي اعتراض لودان، فإن النتيجة لا تلزم من المقدمة، لأن عدم وجود خوارزمية تفرض على كل باحث النتيجة نفسها لا يعني انتفاء الأسباب العقلية التي ترجح إحدى النظريات على الأخرى. فهناك فرق بين أن تكون القاعدة غير كافية لتعيين حكم واحد في جميع الأحوال، وبين أن تكون عديمة القيمة في الترجيح. فقد يتفق عالمان على أن النظرية الأكثر دقة أولى بالقبول، ثم يختلفان في تقدير مقدار الدقة المطلوبة، أو يتفقان على أهمية البساطة، ثم يختلفان في وزنها إذا تعارضت مع القدرة التفسيرية، ولا يستلزم ذلك أن يكون اختلافهما مجرد ميل نفسي لا يمكن مناقشته بالحجج.
ويمكن تصوير المسألة بنظريتين علميتين، إحداهما أكثر بساطة وأقل قدرة على تفسير الظواهر، والأخرى أشد تعقيدا ولكنها أوسع تفسيرا. فإذا رجح أحد الباحثين الأولى ورجح الآخر الثانية، فلا يلزم من اختلافهما أن الاختيار بينهما لا يخضع للعقل، لأن كلا منهما قد يقدم حججا يمكن فحصها ومناقشة مقدماتها ونتائجها، وإنما الذي ثبت هو أن المعايير لا تعمل دائما عمل الخوارزمية التي تعطي نتيجة واحدة بمجرد إدخال المعطيات.
وموضع الإشكال عند لودان أن الوضعي والنسبي قد يشتركان في مقدمة واحدة وإن اختلفا في النتيجة، وهي أن العقلانية لا تكون موضوعية إلا إذا أمكن اختزالها إلى قواعد آلية فاصلة، فالوضعي يأمل العثور على هذه القواعد، والنسبي يحتج بتعذر العثور عليها لينتهي إلى التشكيك في موضوعية الاختيار العلمي، أما لودان فينازع في أصل الملازمة، لأن إمكان تقديم الأسباب وترجيح الأدلة ونقد المعايير لا يتوقف على وجود خوارزمية ترفع كل خلاف.
والتمييز هنا دقيق، لأن العقلانية لا تقتضي بالضرورة اتفاق جميع العقلاء في كل مسألة، كما أن اختلافهم لا يثبت بالضرورة استواء أحكامهم في القوة المعرفية، فالواجب قبل الحكم على الاختلاف بأنه غير عقلاني أن ننظر في الأدلة التي يستند إليها كل طرف، وفي المعايير التي يحتكم إليها، وفي إمكان مناقشتها وتصحيحها. ومن ثم فإن سقوط التصور الخوارزمي للعقلانية لا يستلزم سقوط العقلانية نفسها، بل قد يكون الذي سقط مجرد تصور ضيق لها توارثه الوضعيون وبعض خصومهم.











